وسبق أن أشرنا إلى صنيع أبي إسحاق الإسفراييني الذي وصل بمسائل الإجماع إلى حوالي مائة ألف مسألة (1043) ، ومع ما في كلامه من مبالغة، فهو إشارة واضحة إلى الاهتمام بالإجماع، ومحاولة توسيع نطاقه؛ ليشمل جل أبواب الدين أصولًا وفروعًا.
ويتكرر عند عبد القاهر البغدادي عد الإجماع كمصدر ثالث (1044) ، وينقل اتفاق أهل السُّنَّة على أن أصول الأحكام الشرعية هي: القرآن، والسُّنَّة، وإجماع السلف (1045) ، ثم يحكي تكفيرهم للنظَّام بسبب إنكاره حجية الإجماع، وتجويزه اجتماع الأمة على الخطأ والضلال (1046) ، ويركز عبد القاهر في سرده لعقائد أهل السُّنَّة على البدء بذكر إجماعهم على كل مسألة، وتضليل المخالف، وتتوالى عنده عشرات الإجماعات التي غطت تقريبًا كل أبواب العقيدة ومباحثها (1047) .
ويؤكد أبو المظفر الإسفراييني أن الإجماع حق، وما اجتمعت عليه الأمة لا يكون إلَّا حقًّا مقطوعًا على حقيقته، قولًا كان أو فعلًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تجتمع أمتي على الضلالة ) ) (1048) .
وتزخر مصنفات الأشاعرة الأصولية وبعض المؤلفات الكلامية بإقامة الأدلة على حجية الإجماع، ومناقشة المخالفين والرد عليهم، كما هو الحال عند: الباقلاني (1049) ، والجويني (1050) ، والغزالي (1051) ، والشهرستاني (1052) ، والرازي (1053) ، والآمدي (1054) ، والبيضاوي (1055) ، والسبكي (1056) ، والزركشي (1057) ، وسعد الدين التفتازاني (1058) ، والأرموي (1059) ، وغيرهم، وتتنوع تلك الأدلة ما بين آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وأقوال الصحابة وأفعالهم، وهذا كله فضلًا عن التوسع في تفصيل المباحث المتعلقة بالإجماع من كافة نواحيه، مفهومًا وشروطًا وأنواعًا وأحكامًا، وما إلى ذلك من مسائل يطول المقام بذكرها وتتبع جزئياتها.
ولا يبدو الفرق كبيرًا أو ذا بال بين استدلالات أئمة الأشاعرة وما ساقه المعتزلة؛ كالجبائيين، والقاضي عبد الجبار، وأبي الحسين البصري من دلائل (1060) ، فقد مال الفريقان إلى أن المعول عليه في إثبات حجية الإجماع السمع، ولا مدخل للعقل في تقريرها، كما تشابها في إيراد نفس الأدلة من نصوص الكتاب والسُّنَّة وعمل الصحابة، وكلها أدلة سمعية محضة مما سيؤثر بدرجة كبيرة على إمكانية الاستدلال بالإجماع في إثبات مسائل الاعتقاد الرئيسية، والتي لا يجوِّز