ويعد جولد تسيهر (1138) وجوزيف شاخت (1139) من أبرز من ركزوا على الفكرة السابقة، ووصل الحال بماكدونالد محرر مادة الإجماع من دائرة المعارف الإسلامية أن يقول: «ولم يقتصر الإجماع على تقرير أمور لم تكن مقررة من قبل فحسب؛ بل غيَّر عقائد ثابتة ومهمة جدًّا تغييرًا تامًّا» (1140) ، وهكذا -على زعمه- صار في مقدور الناس «أن يخلقوا بطريقة تفكيرهم وأعمالهم عقائد وسننًا، لا أن يُسلِّموا بما تلقوه من طريق آخر فحسب، وبفضل الإجماع أصبح ما كان في أول أمره بدعة أمرًا مقبولًا نسخ السنة الأولى» (1141) .
ويكفي في الرد على هذا الزعم المتهافت أن نشير -فقط- إلى اتفاق مَن يُعتد بكلامه من الأصوليين (1142) على وجوب استناد الإجماع إلى دليل شرعي من كتاب أو سنة، ونفي أية احتمالية لوقوع الإجماع عن غير مستند، وبهذا لا يمكن للمجمعين أن يبتكروا أحكامًا جديدة، أو يخرجوا عن إطار ما وردت به الشريعة، وقد أسلفنا في مقدمة هذا الفصل أن الإجماع كاشف عن الحكم الشرعي ومظهر له، وليس منشئًا أو مؤسسًا من العدم، فكيف يقال بعد ذلك عن الإجماع: إنه قادر على ابتداع ما لم يكن، أو إلغاء ما هو ثابت بالفعل؟!