فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 584

أشعري فاق آراء المعتزلة، ورفض الاحتجاج بالإجماع في العقليات دون تفصيل بين أصول وفروع، أما أبو الحسن فقد عوَّل على الإجماع في كل المسائل من غير تفرقة بين نوعية وأخرى.

6 -اشترك المذهبان في الإلحاح على ربط أقوالهما بالإجماع، وإثبات موافقة الأمة، واتفاق علمائها لما تبنياه من آراء، وتصوير مذهب الخصوم في صورة يبدو معها كما لو كان مبتوت الصلة بسلف الأمة، وليس إلَّا مجموعة أقوال محدثة وآراء مبتدعة لا تشهد لها نصوص الكتاب أو السُّنَّة أو إجماع المسلمين.

7 -وأظن أنه ليس ثمة كبير فرق بين موقف متأخري المعتزلة، والمتمثل في القاضي عبد الجبار ومدرسته، وموقف الأشاعرة المتأخرين، فالإجماع عند الجميع حجة على المستوى النظري، والمجالات المسموح له بالخوض فيها عمليًّا واحدة (1136) ، ويبقى لون من التفاوت في درجة الاستشهاد به، وذكره في المصنفات الكلامية بين شخص وآخر، أما أبو الحسن فدرجة اهتمامه بالإجماع ملحوظة بصورة كبيرة، واستدلاله بالإجماع على المسائل العقدية بلغ مستوى لم يلحقه أحد من أتباعه أو يجاريه في تطبيقه.

ولعل من نافلة القول أن نؤكد في خاتمة الحديث عن الإجماع والاعتداد به كمصدر معتمد في الاستدلال على المسائل العقدية: أنه لا صحة مطلقًا لما زعمه بعض المستشرقين من قدرة المجمعين من علماء الأمة على الإتيان بعقائد جديدة أو إلغاء ما هو ثابت بالفعل بالنصوص القطعية.

ولعل السبب في وقوع مثل هؤلاء النفر من المستشرقين في ذلك الخطأ الفاحش تصورهم غير الصحيح للإجماع؛ حيث انطلقوا إلى دراسته وفي أذهانهم فكرة راسخة الجذور عن المجامع النصرانية، التي كانت لها سلطة واسعة في تبديل الشرائع بل العقائد، واعتماد المصادر المقبولة، ورد ما سواها في الدين المسيحي؛ ومن ثَمَّ حاولوا إسقاط تلك المعاني على مفهوم الإجماع في الإسلام، والادعاء بأن من وظائفه تغيير أي حكم كان -عقديًّا أو فقهيًّا- كما ابتكروا نوعًا مزعومًا من الإجماع أسموه بالإجماع الشعبي، والمتمثل في سلطة العامة وعاداتهم الشائعة، وقدرتها على إسباغ الشرعية، وإلباس ثوب الإسلام لعبادات مبتدعة؛ كتقديس الأولياء، والتوسل بهم (1137) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت