ثم فإن هذا التقسيم الذي قال به الرازي (70) ، والآمدي (71) ، والإيجي (72) ، والتفتازاني (73) يئول إلى التقسيم الثنائي، وإن تغيرت المسميات من نقلي وعقلي، إلى عقلي ومركب من العقلي والنقلي معًا.
ويمكن أن نستخلص حقيقة مهمة من خلال ما أشار إليه أصحاب هذا الاتجاه من استحالة وجود دليل سمعي محض، بل لا بد من اعتماده على إحدى المقدمات العقلية، مما يؤدي إلى أن كل مستخدم لدليل نقلي يستحيل أن يتخلى عن استعمال العقل بصورة أو بأخرى، إما في إثبات حجية الدليل وإما في النظر في مضمونه ومحتواه.
وبذلك ينهار الأساس الذي بُنيت عليه مشكلة التعارض بين النقل والعقل، والتي شغلت الفكر الإسلامي دونما مبرر؛ لأن التعارض لن يكون -حالة وقوعه- بين نقل وعقل، بل بين نقل ممزوج بعقل سابق عليه ومصاحب له، وعقل محض، وسوف يرد الحديث تفصيلًا عن هذه القضية فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ونختم الكلام عن أقسام الأدلة (74) بذكر منهجين للتقسيم؛ أحدهما عند الشاطبي، والآخر عند شيخ الإسلام ابن تيميَّة، فأما الشاطبي فقد جعل الأدلة الشرعية على ضربين: أحدهما ما يرجع إلى النقل المحض، والثاني ما يرجع إلى الرأي المحض، ويدخل تحت الضرب الأول: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا، ويدخل تحت الضرب الثاني: الاستحسان والمصالح المرسلة (75) ، وإن كان يلاحظ على تقسيمه أن الاستحسان والمصالح المرسلة لا بد من اعتمادهما على أصول شرعية، ولو على سبيل الإجمال، ومن ثم يصبح وصفهما بالرأي المحض نوعًا من التجوز، أو باعتبار الطابع الغالب عليهما.
وأما ابن تيميَّة، فتقوم طريقته على تقسيم الدليل إلى شرعي وغير شرعي، والشرعي إما أن يراد به ما أثبته الشرع ودلَّ عليه، وهذا يُعلم بالعقل والشرع تارة، ويُعلم بخبر الصادق وحده تارة، وإما أن يراد به ما أباحه الشرع وأذن فيه؛ فيدخل في ذلك ما أخبر به الصادق، وما دلَّ عليه القرآن، وما دلت عليه وشهدت به الموجودات (76) ، ويمكن تلخيص هذا التقسيم في المخطط التالي:
الدليل