فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 584

الاتجاه الأول: التقسيم الثنائي

وفيه يتم تقسيم الدليل إلى نقلي وعقلي، وعلى أساسه سار جمهور المعتزلة، فالقاضي عبد الجبار يذكر أن الدليل ينقسم أقسامًا إذا كان من باب العقليات، وإذا كان من باب الشرعيات (58) ، وتبرز نفس الفكرة مع اختلاف المصطلحات عند أبي الحسين البصري (59) ، وتقي الدين النجراني (60) ، وينفرد الجاحظ بتقسيم مخالف بعض الشيء؛ إذ يجعل مصدر الحجة إما العقل وإما الدليل، والدليل عنده قسمان: إما شاهد عيان يدل على غائب، وإما مجيء خبر يدل على صدق (61) ، وكأنه بهذه القسمة يجعل الدليل مصدرًا مقابلًا للعقل، ومتميزًًا عنه.

ويتكرر الأمر نفسه عند الأشاعرة، ففكرة التقسيم الثنائي للأدلة موجودة منذ مؤسس المذهب أبي الحسن الأشعري، الذي يرى أن «جملة الطرق التي يدرك بها العلوم الضرورية والاستدلالية تنحصر في أدلة خمسة: العقول، والكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس» (62) وهي تئول في نهاية المطاف إلى أدلة نقلية وعقلية، ويُلِح الأشعري على وجوب رد «كل شيء من ذلك إلى بابه، ولا تُخلط العقليات بالسمعيات ولا السمعيات بالعقليات» (63) ، ويتابعه على تقسيمه الجويني (64) ، والتفتازاني (65) ، وغيرهما (66) ، وقد حاول الباقلاني (67) ، وابن فورك (68) الاستعاضة عن مصطلح الدليل النقلي بمصطلح جديد وهو الدليل الوضعي، والذي تتسع دائرته ليدخل فيه «ما يدل بطريق المواضعة على دلالته نحو دلالات الألفاظ، والرموز، والإشارات، والكتابة، والعقود، وأمثال ذلك» (69) ، ولا يقتصر على الدلالة السمعية المنقولة عمن قوله حجة واجبة الاتباع، ولا شك أن هذا المفهوم الجديد إن أفاد الباحث في نظرية المعرفة عند الأشاعرة فإن فائدته قليلة لمن يتناول موقفهم من مصادر الاستدلال على المسائل العقدية، والتي لا يمكن أن تدخل فيها الإشارات أو الرموز أو العقود.

الاتجاه الثاني: التقسيم الثلاثي

وقد تَبنَّاه عدد من أئمة الأشاعرة؛ فقسموا الدليل إلى ثلاثة أنواع: عقلي، ونقلي، ومركب منهما، ويسمون الأول بالعقلي المحض، والثاني بالنقلي أو السمعي المحض، ويرى أكثرهم أن هذا النوع الأخير لا وجود له حقيقة؛ لأن النقل لا تثبت صحته أو يعرف صدقه إلَّا بالاعتماد على مقدمات عقلية؛ كإثبات صدق المخبر، ومعرفة النبوة، وكلها أمور لا تثبت إلَّا عقلًا، ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت