وأظن أن جواب إمام الحرمين المتقدم -ويشابهه تمامًا كلام مماثل للباقلاني- يهدم فكرة الدور من أساسها، ويثبت إمكانية الاحتجاج بالدليل النقلي في أهم مسألة عند المتكلمين، والتي بُني عليها سائر أصول الاعتقاد وهي إثبات وجود الله، ولا أدري لماذا لم يلتزم الجويني وبقية أصحابه الأشاعرة بتلك الحقيقة، متخلصين بذلك من مشكلة الدور وما ترتب عليها من نتائج وآثار؟!
ولأبي حامد الغزالي عناية كبيرة بهذا الموضوع في كتابه «إلجام العوام» حيث يستدل بأدلة من القرآن على سائر الأصول العقدية الكبار، بالرغم من منعه الاحتجاج بالنقل عليها في كتبه الكلامية كـ «الاقتصاد» وهو يرى أن الخلق ينبغي أن يعرفوا جلال الخالق وعظمته بتلك الأدلة، وليس بأقوال المتكلمين المبنية على فكرة الجواهر والأعراض، بما فيها من مقدمات وتقسيمات تشوش قلوب العوام، وينتهي أبو حامد من خلال مقارنة مهمة بين أدلة القرآن وأدلة المتكلمين إلى نتيجة مصوغة بأسلوب أدبي مليء بالتشبيهات «فأدلة القرآن مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان، وأدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به أحاد الناس، ويستضر به الأكثرون، بل أدلة القرآن كالماء ينتفع به الصبي الرضيع والرجل القوي، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة ويمرضون بها أخرى، ولا ينتفع بها الصبيان أصلًا» (1504) .
ولا يخرج الرازي عن الإطار السابق مع تنبيهه الصارم لفكرة الدور، وهو يؤكد أن الآيات الدالة على إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة والرد على المنكرين- أكثر من أن تحصى (1505) ، وفي الوقت الذي يمتنع فيه من الاحتجاج بالنقل على وجود الله نجده يسوق كلامًا مطولًا في غاية الإجادة والتحقيق، يستعرض خلاله الأدلة القرآنية على هذه المسألة، ولو وقف الأمر عند هذا الحد لقيل: إن استدلاله بالقرآن على سبيل التأكيد والتعضيد، لا على سبيل الاستقلال، لكنه ينص بوضوح على أن الأدلة القرآنية أرقى وأسمى (1506) ثم يعود في أواخر حياته إليها نابذًا المسالك الجدلية العسيرة، ومؤثرًا طريقة القرآن بعد أن اختبر الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما وجدها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، وما حصل منها فائدة تساوي ما في القرآن؛ لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية (1507) .
وتوالت عبارات الأشاعرة المتأخرين، كالإيجي (1508) والزركشي (1509) في بيان اشتمال القرآن على أبلغ الدلائل وأقواها، فضلًا عما استفاض فيه غيرهم من منتقدي علم الكلام كابن