وحكى ابن الوزير اليمني (1499) أقوالًا كثيرة لنفر من المعتزلة المتأخرين؛ كأبي الحسين البصري، ومختار بن محمود الملاحمي، وابن متويه، والحاكم الجشمي، فضلًا عن علماء الزيدية، وهم وثيقو الصلة بالفكر الاعتزالي، وكلهم يقر بتفضيل حجج القرآن وأدلته على مسالك المتكلمين في البرهنة والاستدلال، فبراهين القرآن تتميز بالسهولة والوضوح؛ بينما أدلة المتكلمين فيها من الصعوبة والتعقيد ما يصعب على غير المتخصصين أن يفهموها.
وبراهين القرآن توافق الفطرة وتناسب جميع العقول، وبراهين المتكلمين تتسم بالجفاف والبعد عن مس الجانب القلبي العاطفي في كيان كل مكلف، وأدلة القرآن يقينية، بينما أدلة المتكلمين جدلية طويلة المقدمات، إن أورثت يقينًا لفرد أو اثنين لم تورثه لبقية الأمة (1500) ، وقد أشار القاضي عبد الجبار إلى طرف من وجوه الفرق السابقة بين الدليل القرآني والدليل الكلامي قائلًا: «فإن الله سبحانه وتعالى ينبه على المعاني التي يستخرجها المتكلمون بمعاناة وجهد- بألفاظ سهلة قليلة تحتوي على معانٍ كثيرة» (1501) .
وتبدو المسألة أكثر وضوحًا وتفصيلًا عند أئمة الأشاعرة، ويهمنا هنا موقف المتأثرين منهم بفكرة الدور، ويطالعنا رأيٌ للجويني يتوافق تمامًا مع ما تقدم ذكره من وجود جانبين للنصوص الشرعية؛ أحدهما: من جهة الإخبار، والآخر: من جهة الاشتمال على الأدلة العقلية، وقد صرح بذلك في سياق رده على اعتراض وُجه للأشعري لاحتجاجه على وجود الله بآية من القرآن، وهي قوله تعالى: {أفرأيتم ما تمنون} [الواقعة: 58] ، وكيف يسوغ الاستدلال على من ينكر الصانع بآية من القرآن، والمحتج عليه ينكر حجيته، بل ينكر الصانع أصلًا؟! (1502) .
وقد أجاب الجويني على ذلك الاعتراض من وجهين (1503) :
أولهما: أن أبا الحسن لم يرد عليهم بنفس الآية، وإنما استدل عليهم بمعناها، وهي تنطوي على وجه الحجاج، وعلى من يعترض على صنيعه أن يعترض كذلك على كل ما ورد في القرآن من محاججة للكافرين.
الآخر: أن أبا الحسن أراد باحتجاجه بالآية أن يرد على منكري الكلام، ملزمًا لهم أن ما تركوه من الحجاج مذكور في كتاب الله ومنصوص عليه.