الآخر: دلالتها من حيث ما تشتمل عليه من تنبيه وإرشاد إلى براهين وحجج عقلية، فالمسألة العقدية ترد ومعها دليل إثباتها، والذي يمكن أن يُخاطَب ويحاجج به كل إنسان عاقل منصف -مؤمنًا كان أو كافرًا- وفي هذا الوجه يستدل بمضمون النصوص وألفاظها معًا، لا بمجرد ألفاظ، أو إخبار خالٍ من الحجية والبرهان؛ فتكون دلالة سمعية عقلية في وقت واحد.
ولو قُدر للمتكلمين أن يعنوا بهذا النوع الثاني ويهتموا بإبرازه بقدر كاف لما سيطرت عليهم فكرة الدور، ولما عدلوا عن الاستشهاد بالسمع؛ ظنًّا منهم أنه استدلال بألفاظ ونصوص خبرية لا تقنع خصمًا ولا تفحم مجادلًا ولا تزيل الشبه والإشكالات، والمثير حقًّا للتعجب والاستغراب أنهم قد اعترفوا نظريًّا بالحقيقة المتقدمة، ونصوا عليها في أكثر من موضع؛ لكن عندما خاضوا في مجال الاستدلال الفعلي لم يطبقوها بصورة تُذكر، مما يدل على مدى التفاوت بين جانبي النظر والتطبيق.
ولأئمة المعتزلة نصوص كثيرة يعترفون فيها باشتمال القرآن على سائر أنواع الأدلة والحجج، ويوضح القاضي عبد الجبار ما اختص به القرآن من الأدلة المستقيمة في التوحيد والعدل، وما تضمنه من الشريعة التي تستقيم على النظر والاستنباط وعلى طريقة العقل؛ لأن ذلك لا يكاد يتفق (1495) ، وهو يرد على من زعم خلو القرآن من التنبيه إلى أدلة علم الكلام (1496) ، مقررًا أن جميع العلوم بأسرها ترجع إليه «فأهل كل علم يلتجئون إليه في أصول علومهم ويبنون عليه كتبهم؛ فإن المتكلمين إنما بنوا الكلام في التوحيد على ما ذكره تعالى في كتابه، وكذا اعتمدوا عليه في مسائل البعث والنشور والإعادة وحدوث الأجسام ووجوب النظر والتفكر» (1497) وغير ذلك، مما يطول ذكره.
وفي نص مهم نقله ابن تيميَّة (1498) عن القاضي -في سياق كلامه عن معرفة الله- يعترف بأن أجل تلك الطرق «وأعظمها وأوضحها وأبينها ما في القرآن، مما نبه الله عليه وجعله في عقول العقلاء؛ فينبغي أن يراعيه ويديم النظر فيه ويواصل الفكر في آيات الله، ويعتبر بالنقل والاعتبار تنال المعرفة» وليت المعتزلة -بل القاضي نفسه- استمعوا إلى تلك النصيحة وطبقوها عمليًّا في مصنفاتهم الكلامية المتعددة.