ولعل الغزالي كان أكثر توسعًا من شيخه حينما ذهب إلى أن المكلف إذا صدق الرسول فينبغي أن يصدقه في صفات الله تعالى؛ ككونه حيًّا قادرًا عالمًا متكلمًا مريدًا {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وليس عليه البحث عن حقيقة هذه الصفات، ولا تَعَلُّم أدلة المتكلمين (1488) ، ولكن الغزالي عاد متأثرًا بفكرة الدور فمنع من الاستدلال بالسمع على صفة الكلام في كتابه «الاقتصاد في الاعتقاد» (1489) .
ويظهر نفس المسلك عند كلٍّ من الرازي (1490) والآمدي (1491) وسعد الدين التفتازاني (1492) في استدلالهم على بعض الصفات، ونبه الشهرستاني (1493) إلى أن معرفة صدق الرسول لا تنحصر في المعجزات الخارقة للعادة؛ بل هناك سبل أخرى متعددة، وفي ظني أن متأخري الأشاعرة لو اعتنوا بهذا المسلك المنهجي ووسعوا من مجالات استخدامه لكانوا قد تخلصوا بصورة كبيرة من فكرة الدور وما نتج عنها من آثار، ولعولوا أكثر على الدليل النقلي وأولوه المكانة اللائقة به، دون إهمال للعقل وبراهينه، ولم تتضخم لديهم الفجوة بين النقل والعقل، والتي لم تكن موجودة عند شيوخ المذهب الأوائل.
مناقشة الأساس الثالث
ويبقى الأساس الثالث والأخير، والمتعلق بفصل المتكلمين بين الأدلة النقلية والعقلية فصلًا تامًّا، والنظر إلى أدلة السمع باعتبارها نصوصًا لفظية، تكتسب الحجية من جهة إخبارها عن كلام الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم منعوا من الاحتجاج بها على صحة النقل؛ لأنه سوف يكون حينئذٍ من باب الاحتجاج بالشيء على نفسه، وهو دور ممتنع.
وقد ظهرت بوادر هذا الفصل بين الدلالتين في تقسيم الأدلة إلى نقلية وعقلية، وإظهارهما كما لو كانا نوعين متباينين؛ فإما نقلًا وإما عقلًا، وكان بإمكان المتكلمين أن ينظروا إلى الأدلة النقلية من وجهة مغايرة للطريقة التي رسخت في أذهانهم؛ وذلك أن أدلة القرآن والسُّنَّة تتضمن وجهين من الدلالة (1494) :
الأول: دلالتها باعتبارها إخبارًا صادقًا عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا النوع لا يتم الاحتجاج به إلا بعد إثبات حجية الكتاب والسُّنَّة، ومن ثم لا يُسلِّم به غير المؤمن بتلك الحجية.