ليست بحجة؛ فثبت من ذلك إمكانية إثبات وجوده وربوبيته سبحانه وتعالى بالمعجزات، وإن لم يكن المخاطَب أو المرسَل إليه مقرًّا بذلك.
ونخلص من الكلام عن طريقي الفطرة والمعجزة، واعتراف طوائف كثيرة من المتكلمين بصحتهما إلى أنهما يتضمنان الرد الواضح على حصر المتكلمين معرفة الله في النظر العقلي وحده (1486) .
وما يترتب على ذلك من منع الاحتجاج بالسمع فرارًا من الوقوع في الدور، وإذا تقرر أن معرفته سبحانه لا تتوقف على النظر العقلي أمكن لنا أن نستدل بالنقل على سائر المسائل العقدية أصولًا وفروعًا، سواء توقفت صحة النقل عليها أو لم تتوقف.
الانتقاد الآخر:
أن المتكلمين قد استقروا على ترتيب معين تُعرف به صحة النقل، ومنعوا من سلوك ما يخالفه؛ إذ لا يمكن من وجهة نظرهم أن نعرف صدق الرسول قبل أن نعرف وجود الله، وكونه قادرًا مؤيدًا للرسل بالمعجزات، ومتكلمًا أوحى إليهم ما يبلغونه إلى العباد، والحق أن أمامنا طريقًا آخر ذا ترتيب مختلف عما قالوا به، وذلك أن نبدأ أولًا بإثبات النبوة بأكثر من وسيلة، فإذا تبين لنا صدق الرسول بالأدلة المتنوعة -عقلية أو ضرورية أو من خلال استقراء أحواله- وجب علينا تصديقه في كل ما أخبر عنه واتِّباعه في كل ما جاء به، سواء في الإلهيات، أو في السمعيات، أو في الأحكام الشرعية العملية، أو في غيرها من أمور الدين.
وقد عوَّل بعض أئمة الأشاعرة من القائلين بفكرة الدور على هذه الطريقة بصورة جزئية، وهذا ما فعله الجويني في صفة الكلام؛ حيث رأى أن المعجزات إذا دلت على صدق الرسل، وأخبروا بعد ثبوت صدقهم عن الكلام الثابت لله في الجملة، ثم أخبروا عن تفاصيل متعلقاته؛ فيُعلم على القطع أنه سبحانه وتعالى متكلم (1487) ، ولا أدري ما الذي حال بين إمام الحرمين وبين توسيع هذه الفكرة، فلا تقتصر على صفة الكلام؛ بل تشمل سائر الصفات وأمور العقيدة أصولًا وفروعًا.