وثمة طريق آخر سلكه بعض الأشاعرة وغيرهم في إثبات وجود الله، يختلف عن الطريق العقلي، وهو ما يُعرف بطريق المعجزة، وقد قال به القاضي أبو يعلى، والخطابي (1480) ، والبيهقي (1481) ، والآمدي (1482) ، وأومأ ابن تيمية إلى صحة تلك الطريقة وشرعيتها، إذا حررت (1483) ، ودافع عنها ابن القيم بقوة، واصفًا إياها بأنها من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، وارتباط أدلتها بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات (1484) .
وخلاصة هذه الطريقة: أن الله سبحانه وتعالى إذا أرسل رسولًا إلى قومه وأخبرهم أنه رسول من عند الله يُوحى إليه- أيدَّه وصدَّقه بآية تدل على صحة نبوته، ودعوة كل رسول إلى قومه تتضمن عدة أمور (1485) :
الأول: أنه رسول مبعوث برسالة ما.
الثاني: أن هناك ربًّا وإلهًا هو الذي أرسله، سواء أكان المخاطب يقر بوجود هذا الإله أم لا يقر بوجوده.
الثالث: أنه مرسل لدعوة الناس إلى الإقرار لله بالربوبية والألوهية.
فإذا جاء الرسول بمعجزة تدل على صدقه ثبتت تلك الأمور الثلاثة، ومن أهمها أن هناك ربًّا وخالقًا؛ إذ المعجزة حدث لا يقدر عليه البشر، فلا بد أن الذي أيد الرسول بها هو رب البشر سبحانه وتعالى، وليس بلازم أن تتقدم معرفة المكلف بالله حتى يصدق بالرسل، فالمعجزة في نفسها دليل على وجوده وربوبيته سبحانه وتعالى، وأما إن كان مقرًّا بوجود الله بمقتضى فطرته التي لم تتغير فالمعجزة تقرر عنده النبوة والوحدانية في الألوهية.
وقد جاء القرآن بهذه الطريقة في قضية فرعون؛ فإنه كان منكرًا للرب جل وعلا ظاهرًا، وكان مُقرًّا بوجوده باطنًا، فحاجه موسى عليه السلام، ومن ضمن ما احتج به عليه آيتا العصا واليد، ووصفهما الله بالبرهانين، ولو لم يكن في المعجزة حجة على وجود الرب وربوبيته ما احتج بهما موسى عليه السلام على دعوى فرعون في جحد الربوبية، ولاعترض فرعون بأن تلك الآيات