فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 584

ومن القائلين بهذا الرأي من الأشاعرة الشهرستاني، الذي مال إلى أن إثبات وجود الله ليس من النظريات التي يقام عليها برهان، فالفطرة الإنسانية السليمة شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على صانع حكيم قدير، ولذا لم يرد التكليف بمعرفة الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك (1475) ، ويقر الرازي بأن معرفة وجود الصانع كالأمر الضروري اللازم لجبلة كل عاقل، ويعترف بوجود طرق أخرى للدلالة على وجوده سبحانه وتعالى، منها ما يتعلق بتصفية الباطن وتهذيب النفس ورياضتها، مقتربًا بذلك من المسلك الصوفي (1476) .

وقريب من طريقة الرازي يصرح الآمدي بأن النظر واجب في حق من لم يحصل له العلم بالله بغير النظر، وإلا فمن حصلت له المعرفة بغير طريق النظر فليس واجبًا في حقه أن ينظر ويستدل، والطرق الأخرى بخلاف النظر قد تكون بأن يخلق الله للمكلَّف العلم به من غير واسطة، وإما بأن يخبره من لا يشك في صدقه كالمؤيد بالمعجزات القاطعة، وإما بطريق السلوك والرياضة وتصفية النفس وتكميل جوهرها، حتى تصير متصلة بالعوالم العلوية، عالمة بها، مطلعة على ما ظهر وبطن، من غير احتياج إلى دليل ولا تعلم ولا تعليم (1477) .

وممن نُسب إليه هذا المذهب أيضًا أبو حامد الغزالي، وهو يرى أن وجود الله وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة والباطنة، وأظهر الموجودات وأجلاها هو الله تعالى، ويتعجب من طريقة المتكلمين في استدلالهم على وجود الله وما فيها من تدقيقات ومسالك عويصة، تنبو عن أفهام العوام وأكثرية المكلفين (1478) .

ويبقى آخرون ممن قالوا بفطرية معرفة الله، كالراغب الأصفهاني، وأبي المعين النسفي، وعبد الملك بن أسد الطوخي، وابن عطاء الله السكندري، وإخوان الصفا، والسيالكوتي، ونسبه ابن تيمية إلى جمهور النظار من جميع الطوائف، كالكرامية، والأشعرية، والضرارية، والجهمية، وغيرهم، فضلًا عن أهل السُّنَّة والحديث، وأخذ به من فلاسفة الغرب في العصور الوسطى أوغسطين وأنسلم، ووليم أف أوكام، وفي الفلسفة نجد اثنين من أشهر أعلامها يقولان بمذهب الفطرة، وهما: ديكارت الذي أرجع دليله الوجودي إلى فكرة مغروسة في النفس، سابقة على التفكير، وكانط الذي انتقد الأدلة العقلية على وجود الله، وأقام مكانها أساسًا أخلاقيًّا، بنى عليه إثبات وجوده سبحانه وتعالى، وهذا الأساس الأخلاقي فطري في النفس الإنسانية (1479) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت