كان يعود فينبه إلى أن النظر ليس مقصودًا لذاته وإنما المقصود منه المعرفة، حتى لو أمكننا تحصيل المعرفة بدونه لكان لا معنى لإيجابه (1470) ، وفي ذلك اعتراف منه بإمكانية تحصيل المعرفة بطريقٍ غير النظر والاستدلال، لكن الظاهر أن هذا الفرض مجرد تجويز نظري؛ لأن القاضي بعد ذلك أبطل سائر الطرق الأخرى كالضرورة والمشاهدة والتقليد (1471) ، منتهيًا إلى أن «معرفة الله لا تُنال إلا بحجة العقل» (1472) .
ومن أهم الطرق التي يُعرف بها الله تعالى -غير النظر والاستدلال- طريق الفطرة؛ حيث وضع سبحانه في نفس كل إنسان شعورًا فطريًّا ضروريًّا، يحسه البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وهو شعور غامر يملأ على الإنسان أقطار نفسه، إقرارًا بخالقه وتألها له، ولا يستطيع أحد دفعه، ولا يملك رده، ويصير أشد رسوخًا من مبدأ العلم الرياضي، كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين، وغير ذلك من الحقائق والمسلمات، قال تعالى: {أفي الله شك فاطر السموات والأرض} [إبراهيم: 10] وهو استفهام تقريري، يتضمن تقرير الأمم على ما يعترفون به من أنه ليس في الله شك.
والمعرفة الفطرية معرفة ضرورية، ومحض هبة من الله لعباده، لم تنشأ عن نظر أو تفكر، وليست من صنع حجة أو قياس، بل هي أسبق من هذا كله وأبلغ؛ لأنها فطرة الله التي فطر الناس عليها (1473) وأكثر المفسرين على أن هذه الفطرة هي الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم قبل أن يوجدوا، وجعل منه حجة قائمة عليهم، لا يسعهم جهلها أو التنكر لها، اعتذارًا بتقليد الآباء والأجداد (1474) ، قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: 172] .
وفي ضوء ما تقدم يظهر لنا أن العلم بالخالق ضروري لا يحتاج إلى نظر، وإنما إلى تذكير يوقظ من سِنة الغفلة، كالموت الذي يغفل عنه أكثر الناس من أنه حقيقة ضرورية، لا يمكن لأحد أن يجادل أو يشكك في وقوعها، وقد ذهب عدد غير قليل من أئمة الأشاعرة إلى هذا المذهب، واختاروا أن معرفة الله فطرية ويمكن تحصيلها بداهة ودونما حاجة إلى نظر واستدلال، مما يدل على عدم صحة الإجماع الذي نقله بعضهم من أن معرفته سبحانه لا تُنال إلا بالنظر.