فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 584

ونود التنبيه إلى أن المقصود من عرض الأقوال السابقة ليس محاولة تقويم المنهج الكلامي أو الحكم عليه، فتلك قضية كثر فيها الكلام وتشعب؛ وإنما غرضنا إبراز التناقض الواضح بين ما صرح به المتكلمون نظريًّا وأطالوا في التأكيد عليه من أن أدلتهم يقينية، ومعتمدهم في أبواب العقيدة الرئيسية هو العقل المفيد للقطع، دون النقل المحتمل للعديد من الإشكالات، وعدولهم عن الاحتجاج به فرارًا من الوقوع في الدور، وإيثارًا لإقناع الخصوم وإفحامهم، ثم هم بعد ذلك كله يعترفون بما في مسالكهم من جدال وبُعد عن اليقين، ونزاع لا ينتهي ولا يصل إلى فائدة تساوي أو حتى تقارب ما بُذل فيه من جهد ومشقة.

مناقشة الأساس الثاني

وأما الأساس الثاني، والذي ينص على ضرورة البدء أولًا بمعرفة الله وصفاته نظريًّا، وبالأدلة العقلية، ثم إثبات صحة نبوة الرسول وصدقه في كل ما يخبر به، قبل الوصول إلى إثبات صحة النقل، واعتبار هذا الطريق هو الوحيد لتقرير صحة كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم- فأهم الانتقادات الموجهة إليه أمران:

الأول: أنه قصر السبيل إلى معرفة الله تعالى -وهي أصل معرفتنا بصحة النقل- على طريق العقل المعتمد على النظر والاستدلال دون غيره، مع أن هناك سُبُلًا أخرى يمكن للمكلف أن يتعرف من خلالها على خالقه ومولاه سبحانه، ومنها ما اعترف المعتزلة والأشاعرة أنفسهم بصحة دلالته.

وأول ما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد وجود اتجاه داخل المذهب الاعتزالي يُسمَّي أهله بأصحاب المعارف، وهؤلاء يرون أن المعارف كلَّها -بما فيها معرفة الله تعالى- ضرورية من فعله سبحانه تعالى، وينكرون أن يكون أي نوع من أنواع العلوم أو المعارف مكتسبًا للإنسان، كما يذهبون إلى أن معرفة الله لا تتأتى بالنظر في الجواهر والأعراض، وأن الذين فعلوا ذلك قد تكلفوا ما لا يجب عليهم، وأصابوا من غامض العلم ما لا يُقدر عليه، وممن قال بهذا المذهب أديب المعتزلة المشهور الجاحظ وأبو علي الأسواري (1468) .

وقد أورد القاضي عبد الجبار (1469) حجج هذا الفريق، واستفاض في الرد عليها، مرجحًا مذهب جمهور أصحابه القائلين بأن معرفة الله تعالى لا يوصل إليها إلا بالنظر والاستدلال، وإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت