ولعل في النظرة المتأملة لمجريات التاريخ وأحداثه، وتتبع سير الأنبياء والمصلحين ومناهجهم ما يشهد لهذه الحقيقة، ويدلل على أن الإصلاح العقدي وترسيخ الإيمان في القلوب هو المفتاح الأول والأهم لتغيير واقع الناس وأحوالهم.
وهكذا كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سيما في المرحلة المكية؛ حيث عُني بإعداد الأمة المسلمة وتربيتها، وإنشاء جيل جديد صُلب المراس، يتحمل مسئولية هذا الدين، وأمانة تبليغه إلى المشارق والمغارب، ولما تُوفي صلى الله عليه وسلم كان قد ترك المسلمين على عقيدة سواء، ومنهج موحد في تلقي الأحكام العلمية الاعتقادية، أو العملية الفقهية، وإن وُجد نزاع أو اختلاف ففي بعض الفروع أو التفصيلات الجزئية التي لا تخدش في المشرب العام لهذا الجيل الفريد.
وظلَّ المسلمون محتذين هذا السَّنن اللاحب (1) ، والطريق الواضح المستقيم فترةً من الزمن إلى أن دَبَّ بينهم الخلاف والشقاق، تحقيقًا لسُنن الله الربانية التي تسري في الأفراد والمجتمعات دون أن تحابي أحدًا، وجزاءً وفاقًا على تجاوزات وقعت من بعضهم، فتفرقت الأمة شيعًا وأحزابًا، وتعددت المناهج والمذاهب، ثم ظهرت فيما بعد دعوات الإصلاح سائرة على نفس النهج النبوي في التغيير، وهو البدء في تثبيت الإيمان في النفوس كخطوة على درب تجديد شباب الأمة وإيقاظها من غفوتها، كلما خيَّم عليها الظلام أو غشيها الخمول والرقاد، وكل ذلك يؤكد ضرورة الإصلاح العقدي، واعتباره أهم الواجبات التي لا بد للمشتغلين بالفكر الإسلامي، والمهتمين بشئونه في عصرنا الراهن أن يولوه العناية الكافية، وأن يُوضع في صدر اهتماماتهم مناقشةً وبحثًا، ودراسةً وتدريسًا، وكتابةً وتأليفًا.
وأعتقد أنه يتعين قبل النظر في مسائل العقيدة التفصيلية وتقريرها، البدء أولًا بتحديدٍ واضح المعالم للمنهج أو الطريقة التي تثبت بها تلك المسائل؛ إذ بدون الالتقاء حول هذا المنهج ستفترق المذاهب والآراء، ويتعذر الاجتماع على قول واحد، مع أن المفترض في أمور الاعتقاد أن تكون محل اتفاق بين الجميع، أو على الأقل يندر الخلاف حولها، وإذا جاز الاختلاف في الفروع دون