فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 584

وعلى النقيض من رأي أولئك النفر اختار كلٌّ من الإيجي (1608) والتفتازاني (1609) وأبي البقاء الكفوي (1610) ، والكردستاني (1611) إفادة الدليل النقلي لليقين إذا احتفت به قرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات، وإن كانوا يقصرون إفادته للقطع على الشرعيات لا العقليات، وخالفهم أحد المحشين على شرح المواقف (1612) فعمم القطعية في العقليات والشرعيات معًا، وبهذا اقترب من موقف شيوخ المذهب المتقدمين، مما يؤكد أن القول بالظنية لم يستقر في الفكر الأشعري، وإنما وُجد له معارضون.

وهكذا يستطيع الناظر في تطور آراء المذهب الأشعري أن يلحظ عدم وجود من التزم القول بالظنية أو ثبت عليها في جميع مؤلفاته، بل غالب من قال بها في موضع تراجع عن مقالته أو خفف من وطأتها في موضع آخر، وتذبذبت مسالكه في مجال التطبيق بين النفي والإثبات، واتفق جميعهم على أن أبواب السمعيات مردها إلى النص الشرعي، ولا مجال للعقل فيها، ولا يُستثنى من ذلك أحد حتى فخر الدين الرازي مُقَعِّد مبدأ الظنية وأشهر القائلين به.

ويبدو لي أن القول بظنية الدليل النقلي نشأ أولًا كمحاولة للتعامل مع ما يعده المتكلمون متشابهًا، ولا سيما نصوص الصفات، ولما كان من المقرر عندهم مخالفتها للقواطع العقلية واحتمالها للتأويل فالمخرج إذن هو أن توصف بالظنية، ومن ثم يسهل تقديم الدليل القطعي عليها وتأويل النص أو تفويضه، ثم دخلت الفكرة مرحلة التعميم وصارت أصلًا كليًّا يحكم من خلاله على الدليل النقلي في جميع أحواله، سواء تعلق بالمتشابهات أو بغيرها، مع ما في القول بذلك من ضعف وأوجه عديدة للنقد والتعقب، فضلًا عن الإلزامات الخطيرة التي تنتج عن القول بظنية جميع الأدلة السمعية، وعزلها عن مجال الاستدلال، والانتقاص الشديد من مكانتها ومنزلتها، ولأن النفوس تميل بطبعها إلى اليقينيات وتعرض عن الظنيات، ولعل تصور الآثار الناشئة عن تلك الفكرة يكفي وحده عن التوسع في نقدها والرد عليها (1613) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت