فيما لا يعلم إلا عقلًا، بل حكم عليه بالحكم ذاته في مسألة الرؤية، وهي باتفاق المعتزلة والأشاعرة مما يمكن معرفته بالسمع، لكنه حصر الاستدلال عليها بالدليل العقلي فحسب «إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية والاستبصارات العقلية، وهي مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين، فلا يذكر إلا على سبيل التقريب، واستدراج قانع بها إلى الاعتقاد الحقيقي» (1599) ويتكرر هذا المسلك في صفة الوحدانية (1600) ، والكلام (1601) ، وسائر المسائل الكلامية، فلا يعتمد إلا على الدليل العقلي وحده، اللهم إلا في السمعيات من بعث وحشر وميزان، وجنة ونار، فإنه يعول على السمع وينتصر بإخلاص وحرارة لما ثبت في النصوص الشرعية، ويشتد نكيره على من ردها أو أوَّلها من الفلاسفة أو المعتزلة (1602) .
ثم تراجع الآمدي عن الموقف السابق فتناول الخلاف حول إفادة الدليل السمعي لليقين في كتابه «أبكار الأفكار» مشيرًا إلى وجود اتجاهين بارزين؛ الأول: أنها تفيد اليقين مطلقًا، وهو مذهب من أسماهم بالحشوية، والآخر: أنها لا تفيد اليقين مطلقًا، لتوقفها على أمور ظنية ساقها الآمدي، وهي لا تخرج عن الاحتمالات العشرة التي ذكرها الرازي، وبعد أن ضعَّف كلا الاتجاهين اختار إمكانية إفادة الدليل السمعي لليقين إذا اقترنت به قرائن يرتقي معها إلى درجة القطعية (1603) ، وواضح أن رأي الآمدي لا يكاد يختلف كثيرًا عن رأي الرازي الذي عقب به في «الأربعين» و «نهاية العقول» فكلاهما يشترط وجود قرائن خارجية تحيط بالنص لتصل بدلالته إلى درجة القطع، وبدونها يظل ظنيًّا لا يصلح للاستدلال في مسائل العقيدة.
ونتوقف أخيرًا عند آراء أئمة المذهب في أطواره المتأخرة، وقد عزا الأصفهاني (1604) والتفتازاني (1605) القول بظنية الدليل السمعي إلى جمهورهم، ومع هذا فيمكننا أن نلحظ عدم وجود موقف موحد؛ فمنهم من غلا إلى أبعد حد، ومن أسوأ النماذج وأشدها خطورة ما صرح به الصاوي من أن «الأخذ بظواهر النصوص الشرعية من أصول الكفر» (1606) ووافقه السنوسي حيث جعل «التمسكَ في عقائد الإيمان بمجرد ظواهر الكتاب والسُّنَّة، من غير تفصيل بين ما يستحيل ظاهره منها وما لا يستحيل- أصلًا للكفر أو للبدعة» (1607) ، ولا أدري كيف يصير التمسك بظاهر النص سبيلًا إلى الكفر، وهل نزل القرآن لهداية الناس أم لإضلالهم وإيقاع قارئيه في الكفر والهلاك؟!