الأخرى: قصور الدليل النقلي عن معارضة الدليل العقلي القاطع، ووجوب صرف ألفاظه عن معانيها الظاهرة إلى معانٍ أخرى، تتواءم مع مقتضيات العقل عند حدوث التعارض؛ لأن الظني لا يقوى على مخالفة القطعي (1591) ، وقد تجلت تلك النتيجة بوضوح في تعامل الرازي مع الصفات الخبرية في كتابه «أساس التقديس» الذي أفرده خصيصًا لمناقشة هذا النوع من الصفات.
ولكن يبدو أن الرازي أحس بخطورة رأيه واللوازم المترتبة عليه فانتاب موقفه شيء من التراجع نظريًّا وتطبيقيًّا، فعلى مستوى الاستدلال الفعلي وبعد أن كان يمنع من الاحتجاج بالنقل على مسائل الأصول؛ إذا به يحتج بالأدلة السمعية على إثبات صفتي السمع والبصر (1592) ، وعلى صفة الكلام، ويرد على الغزالي الذي منع من الاحتجاج بالسمع عليها (1593) ، كذلك عوَّل في مسألة الرؤية (1594) ، ونفي القديم سوى ذات الله وصفاته (1595) ، وتنزيهه عن الوصف باللذة والألوان والطعوم والروائح على الأدلة السمعية وحدها (1596) .
وعلى المستوى النظري عقب على القول بفكرة الشروط العشرة وظنية الدليل النقلي مطلقًا بتعقيب مهم؛ حيث قال: «واعلم أن هذا الكلام على إطلاقه ليس بصحيح؛ لأنه ربما اقترن بالدلائل النقلية أمور، عرف وجودها بالأخبار المتواترة، وتلك الأمور تنفي هذه الاحتمالات، وعلى هذا التقدير تكون الدلائل السمعية المقرونة بتلك القرائن الثابتة بالأخبار المتواترة مفيدة لليقين» (1597) ويلاحظ أن الرازي لم يفصل الكلام عن تلك القرائن، كما لم يضرب لها أمثلة كافية توضحها، وحتى مع التسليم بوجودها فإن اكتساب الدليل النقلي لليقين ليس أمرًا ذاتيًّا نابعًا من ألفاظه، وإنما من أمور خارجية عنه، وتبقى ظنيته ثابتة إذا نظرنا إليه مجردًا عن القرائن.
وقد ظل الفكر الأشعري بعد الرازي مترددًا تجاه القول بالظنية، ووُجد من أئمته من يقبلها ومن يردها، وحتى الذين قبلوها لم يثبُتوا على موقف موحد، بل اختلفت آراؤهم بين النظر والتطبيق، ويعد الآمدي من أبرز النماذج التي تنطبق عليها حالة التردد والتباين في الرأي، والتي ربما ظهرت في الكتاب الواحد، فضلًا عن الخلاف بين مصنف وآخر.
ففي «أبكار الأفكار» عقد فصلًا استعرض فيه «ما ظُن أنه من الأدلة المفيدة لليقين وليس منها» (1598) ، وجعل الدليل السمعي ضمن هذه الأدلة الظنية، ولم يقتصر على وصفه بالظنية