(أ) يعد أبو الهذيل العلاف (ت 235 هـ) مِن أقدم مَن تكلم عن مفهوم العقل عند المعتزلة، ويظهر من حكاية الأشعري (101) لمذهبه أن العقل عنده اسم لمسميات ثلاثة:
1 -العلوم الضرورية أو ما يُعرف بعلم الاضطرار.
2 -القوة التي يتمكن بها الإنسان من اكتساب العلوم والمعارف النظرية.
3 -التسوية بين معنى العقل ومعنى الحس (102) .
(ب) وخالف أبو علي الجبائي (ت 303 هـ) أبا الهذيل في أحد معاني العقل عنده، والتي عرَّف فيها العقل بأنه القوة على اكتساب العلم (103) ، وإن كان متفقًا معه -نوعًا ما في تعريفه للعقل بأنه العلوم الضرورية (104) .
(جـ) وأما القاضي عبد الجبار فقد ناقش تعريفات سابقيه، ورفض وصف العقل بأنه جوهر، أو آلة، أو حاسة، أو قوة، إلى غير ذلك من الأسماء التي أطلقها الفلاسفة وغيرهم عليه (105) ، واختار تعريفه بأنه «عبارة عن جملة من العلوم مخصوصة متى حصلت في المكلف صح منه النظر والاستدلال والقيام بأداء ما كُلِّفَ» (106) ، ومع أنه لم يحدد المراد بتلك الجملة من العلوم المخصوصة إلَّا أن الظاهر إرادته بذلك العلوم والمعارف الضرورية، التي هي أساس العلم والتمييز عند الإنسان (107) ، والتي تسمَّى عند المعتزلة بـ «كمال العقل» (108) .
وأما الأشاعرة، فقد تعددت تعريفاتهم للعقل؛ حيث عرَّفه أبو الحسن بأنه العلم (109) ، ويعني بذلك العلم ببعض الضروريات لا العلم بالنظريات (110) ، ووافقه على تعريفه أبو إسحاق الإسفراييني (111) ، وابن فورك (112) ، وأبو علي السكوني (113) ، وقريب منه تعريف الباقلاني (114) ، والشهرستاني (115) ، والرازي (116) ، والآمدي (117) ، وغيرهم.
وإلى جانب تعريفات المتكلمين المتقدمة فقد عُني عدد من الأئمة الكبار بتعريفه؛ فعرَّفه الشافعي بأنه «آلة خلقها الله لعباده، يُمَيَّزُ بها بين الأشياء وأضدادها» (118) ، وعرَّفه كلٌّ من الإمام أحمد (119) ، والحارث المحاسبي (120) ، وابن تيميَّة (121) بأنه غريزة.