فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 584

وليس المقصود في هذا المقام أن نقف طويلًا عند تلك التعريفات أو نرجح بينها، وإن كان الظاهر أن الخلاف راجع إلى نظرة كل فريق إلى إطلاق من إطلاقات لفظ العقل المتعددة، ووظيفة من وظائفه والتركيز عليها، وإبرازها دون الوظائف الأخرى، وأرجح الأقوال -فيما يبدو لي- أن العقل يُستعمل بإزاء عدة معانٍ؛ وهي ما يلي:

1 -الغريزة المتأصلة في الإنسان: وبها يعلم ويعقل، وتعد شرطًا في حصول سائر المعقولات والمعلومات، وهي مناط التكليف، وبها يمتاز الإنسان عن سائر الحيوانات، وعلى هذا المعنى يتنزل كلام من عَرَّف العقل بأنه غريزة.

2 -العلوم الضرورية التي تشمل جميع العقلاء: كالعلم بالممكنات، والواجبات، والممتنعات، وتعريفات أكثر المتكلمين تشير إلى هذا المعنى.

3 -العلوم النظرية المكتسبة: والناتجة عن دُرْبَة وخبرات ومعارف متراكمة، تنمو مع تقدم الإنسان في العمر وتحصيل العلوم.

4 -الأعمال الناتجة عن مراعاة مقتضى العقول ولوازمها فيما يمكن تسميته بالعقل العملي: وهذا المعنى هو أبرز معاني العقل، وأكثرها استعمالًا في عدد من آيات القرآن؛ كقوله تعالى: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها} [الحج: 46] وغير ذلك من الآيات (122) .

فهذه المعاني الأربعة تجمع وتلخص التعريفات المتعددة التي قُدِّمت للعقل، كما توسع من مفهومه، وتتسق مع النظرة الإسلامية العامة، ومقاصدها الكلية التي تُعْنَى بالعمل والتطبيق أكثر من عنايتها بالأفكار النظرية المجردة، وإن كانت لا تهملها أو تتجاهلها، لكنها تضعها في الحجم والإطار المناسبين دون إفراط أو تفريط.

وفي نهاية الحديث عن معنى العقل وتعريفه، تجدر الإشارة إلى ما دار من نزاع حول الأحاديث الواردة في فضله، ومدى نصيبها من الصحة أو الضعف، والناظر في موقف المتقدمين والمتأخرين يلحظ بوضوح وجود اتجاهين متباينين في نظرتهم إليها (123) :

الاتجاه الأول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت