فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 584

من قبلوا تلك الأحاديث، وأثبتوا صحتها، واعتمدوا عليها، ومنهم غالب الصوفية كالحارث المحاسبي والغزالي، وأصحاب التصوف الفلسفي كابن عربي وابن سبعين، وكذلك بعض الفلاسفة كالفارابي وابن سينا وإخوان الصفا، والذين لم يقفوا عند الاستشهاد بها كمعضد لنزعتهم العقلية فحسب، بل حاولوا -إضافة لذلك- أن يطوعوها لنصرة مذاهبهم في القول بالعقل الفعال، ونظريات العقول المجردة، ووصف العقل بأنه جوهر مفارق، وليس عرضًا كما هو مذهب جماهير المسلمين.

ومع أن جُلَّ المحدثين يتبنون الاتجاه الآخر الذي سيأتي بعد قليل، إلَّا أننا نجد ثلاثة منهم يقولون بصحة تلك الأحاديث، أو على الأقل بصحة بعضها؛ وهم: داود بن المحبر (ت 206 هـ) وابن أبي الدنيا (ت 281 هـ) والحافظ الزبيدي، ولداود كتاب في فضل العقل يُعتبر في عداد المفقود، ولكن الغزالي في «الإحياء» (124) والزبيدي في «إتحاف السادة المتقين» (125) قد نقلا جل الأحاديث التي رواها ابن المحبر هذا، وأما ابن أبي الدنيا فله كتاب تحت عنوان «العقل وفضله» (126) أورد فيه عددًا من الروايات المرفوعة والآثار الموقوفة.

وفيما يتعلق بداود بن المحبر، فجمهور المحدِّثين على تضعيفه، ورميه بالكذب (127) ، ولكن الذي يثير التساؤل ما ذكره ابن معين من أن داود «ما زال معروفًا بالحديث، يكتب الحديث، وترك الحديث، ثم ذهب فصحب قومًا من المعتزلة فأفسدوه، وهو ثقة» (128) ، فهل كان لاعتزاليته دور في وضعه أحاديث العقل لينصر المنهج الاعتزالي، ويسبغ على اعتداده البالغ بالعقل نوعًا من المشروعية، أو أن الأمر على عكس ذلك، حيث وقفت اعتزاليته تلك مانعًا من قبول أصحاب الحديث لمروياته، ورميه بالكذب والوضع، كما يميل إلى ذلك بعض الباحثين المعاصرين؟ (129)

ولعل الاحتمال الأول أظهر، فكم قبل المحدثون روايات أصحاب الفرق المختلفة من شيعة وخوارج ومعتزلة، وتكفي نظرة واحدة إلى مَن روى عنهم البخاري -وهو الغاية في اشتراط الصحة- من اتباع تلك الفرق للتدليل على ذلك (130) .

الاتجاه الآخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت