ويمثله جمهور المحدِّثين الذين نصوا على تضعيف الأحاديث الواردة في فضل العقل، وردِّها كما فعل ابن حبان في كتابه «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» ؛ حيث صرح بأنه لا يُحفظ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم خبر صحيح في العقل (131) ، وكذلك ابن تيميَّة الذي سُئل عن حديث منها، فأجاب بأنه «كذبٌ موضوعٌ عند أهل العلم بالحديث، وليس هو في شيء من كتب الإسلام المعتمدة» (132) . وعلى نفس المنوال سار عدد كبير من المحدِّثين؛ كالعقيلي (133) ، وابن الجوزي (134) ، وابن القيم (135) ، والسيوطي (136) ، وغيرهم (137) .
وإذا حاولنا الموازنة بين الاتجاهين المذكورين، فلا بد من أن نضع في اعتبارنا عدة أمور مهمة؛ وهي:
(أ) محل النزاع ليس راجعًا -في حقيقة الأمر- إلى ما تضمنته تلك الأحاديث من بيان فضيلة العقل، والحث على استعماله في التفكير والتدبر، فهذا القدر لا يماري مسلم في صحته، كيف والعقل مناط التكليف، وأبرز الفروق بين المكلف وغير المكلف، ونصوص القرآن التي حثت على إعمال الفكر واستخدام العقل فيما يتواءم مع الميادين التي أباح الله له أن يجول خلالها كثيرة ومتعددة؟! (138) ومن ثم فمحل النزاع يتركز حول إثبات ألفاظ هذه الأحاديث، وصحة نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وليس حول إثبات المعاني فحسب.
(ب) القول بعدم ثبوت هذه الأحاديث لا يعني أنه لم يرد في السُّنَّة ذكر للعقل مطلقًا، بل ثمة نصوص عديدة فيها ذكر للعقل، وترتيب لبعض الأحكام عليه، لكنها لا تتعرض لتصريح واضح ببيان فضيلة محددة (139) .
(جـ) لعل من المتفق عليه أن المرجع في حل نزاع يجري في تخصص ما يعود في المقام الأول إلى أهل ذاك التخصص، فهم أدري الناس بعلمهم، وأقدرهم على فهم خباياه، ولما كانت هذه المسألة حديثية بالدرجة الأولى، فالكلمة الأجدر بالقبول حولها هي كلمة المحدِّثين الجامعين بين المنقول والمعقول، لا سيما إذا اتفقت آراؤهم أو آراء أكثرهم حول تضعيف هذه المرويات، ولا يعني ذلك الغض من قيمة العقل، أو مكانته، أو نسبة المحدِّثين إلى نوع من الحشو والجمود، وانعدام العقلانية، فهم كغيرهم من الاتجاهات الفكرية يستخدمون العقل، ويعرفون قدره، وإن