كان لهم منهج خاص (140) في النظر إلى حدود عمل العقل، والمجالات التي يُسمح له أن يعمل خلالها.
وفي ضوء الحقائق المتقدمة، يترجح القول بأن هذه الأحاديث لم تصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما فضل العقل ومكانته والحث على إعماله، فهو أمر ثابت في عشرات النصوص الشرعية، وفي ذلك ما يغني عن الاحتجاج بما لا يصح من الروايات.
تعريف الدليل العقلي
تعددت التعريفات التي قدمت لهذا الدليل، فعُرِّفَ بأنه «ما يدل لذاته» (141) أو «ما دل على المطلوب بنفسه من غير احتياج إلى وضع» (142) أو «ما لا يتوقف على نقل أصلًا» (143) .
ويُفهم من خلالها أن الدليل العقلي يُقصد به الدليل المعتمد على مسلمات العقول ونتائجها دون اعتماد على النقل، وهذا المعنى هو الذي سوف نسير عليه في هذه الدراسة (144) ، وواضح أن المتكلمين لا يقصدون بالدليل مجرد استعمال العقل في الفهم، وإنما قيامه بالاستدلال عبر جهد ذاتي، يتبع فيه القواعد المنطقية وبدهيات العقول، دونما استناد إلى شيء من الأدلة السمعية (145) .
ويثير هذا المفهوم نوعًا من التساؤل المشوب بالتعجب، فبينما يجزم المتكلمون باستحالة وجود دليل نقلي محض غير معتمد على إحدى المقدمات العقلية، يثبتون دليلًا عقليًّا محضًا دون استناد إلى السمع، ووجه التعجب أن علم الكلام -خلافًا للفلسفة- ليس علمًا عقليًّا خالصًا، يعتمد على مسلمات العقول وينطلق منها ابتداء، بل هو -باعتراف أهله (146) - علم يهدف إلى نصرة العقائد التي ثبتت شرعًا بأدلة عقلية، والمتكلم -شاء أم أبى- لا بد أن ينطلق من مسلمة شرعية؛ ليقيم من خلالها بناءه العقلي، فكيف يتصور أن تخلوَ أدلته العقلية من آية مقدمات نقلية مهما حاول ذلك.
في ظني أن أبرز الدواعي التي أدت لذلك طبيعة الخصم الكامن في عقول المتكلمين وهم يصوغون مسائل علم الكلام، فهذا الخصم غير معتقد للإسلام، وليس مؤمنًا بنصوصه، ومن ثم فلا سبيل إلى إقناعه إلَّا باللجوء لمبادئ العقل المشتركة بين سائر العقلاء أيًّا كان دينهم، دون