أنواع من الصلات -بصورة متكلَّفة- بينهم وبين عددٍ من الاتجاهات الفكرية المعاصرة، وكأنهم وحدهم المنفردون باستعمال العقل، والاستدلال به من بين سائر المدارس الفكرية الإسلامية، وكل من سواهم تقليديو الفكر، ويعتمدون على النقل فحسب، وليس لهم عناية بالنظر العقلي.
والمعتزلة من وجهة نظر هذه الفِرَق مفكرون ليبراليون (1688) ، مستنيرون، تنطوي آراؤهم السياسية والاجتماعية على مبادئ «هيومانية» ، وهم الذين كونوا البدايات الأولى للنزعة الثورية في عقلنة الثقافة النقلية، ومن ثَمَّ يتشابهون مع العقلانيين الذين ساد مذهبهم أوربا إبان عصر النهضة (1689) .
وقد ألَّف المستشرق «هنريش شتينر» كتابًا عنهم بعنوان «المفكرون الأحرار في الإسلام» (1690) ووصفهم كلٌّ من «هاملتون» في كتابه «الإسلام» (1691) ، وآدم متز في كتابه «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري» (1692) بأنهم دُعاة الحرية الفكرية والاستنارة، وعدهم مونتجمري وات من رواد التفكير العقلي في العقيدة، والمدافعين عن حرية الإرادة والمسئولية الإنسانية، وأشار إلى تعاطف الفكر الأوربي الشديد مع فكرهم ومبادئهم خلال القرن التاسع عشر الميلادي؛ نظرًا لما اتَّسموا به من تقارب في وجهات النظر مع الفكر الغربي، مقارنةً بالمذهب السُّني الذي سيطر فيما بعد، وإن كان يعود فينبه إلى أن النزعة العقلية عندهم لم تكن على نحو صرف، وكانت أقل من المتوقع (1693) ، وقدَّم جالان بحثًا عنهم بعنوان «بحث في المعتزلة أصحاب النزعة العقلية في الإسلام» (1694) .
ويبقى أن نتساءل عن أثر هذا الإعلاء لدور العقل من قبل المعتزلة، وهل أخلَّ بالتوازن المنشود والوسطية الإسلامية الجامعة بينه وبين النقل؟ وهل انتهى بهم إلى التصريح بتقديم العقل على النقل عند التعارض، كنتيجة حتمية للميل إلى أحد الطرفين وإهمال الآخر؟
تكاد تتفق كلمة الباحثين قديمًا وحديثًا على أن المعتزلة من المُغلِّبين لجانب العقل، والقائلين بتقديمه على النقل، نجد التصريح بذلك عند الأشعري (1695) ، والغزالي (1696) ، والشهرستاني (1697) ، والسبكي (1698) ، وابن تيمية (1699) ، وعند المستشرقين؛ كمكدونالد (1700) ، ودي بور (1701) ، وجولد تسيهر (1702) ، وعند أكثر من كتبوا عن المعتزلة من المعاصرين؛ مثل أحمد أمين (1703) ، والدكتور أحمد صبحي محمود (1704) ، وزهدي جار