فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 584

أحدهما: سلبي، يعتمد على نفي وإبطال كل ما يتعارض مع العقل ومبادئه.

والآخر: إيجابي، يلتزم بمبادئ العقل، ويسير على هدى منها؛ لأن الفهم الصحيح لا يتسنى، والصواب لا يستبين إلَّا لمن كان صحيح البنية، بريئًا من الآفة، متنزهًا عن الهوى والعصبية، محبًّا للإنصاف في الخصومة، متحريًا للحق في الحكومة، غير مسترق في التقليد، ولا مخدوع بالإلف، ولا مسخر بالعادة (1686) .

ويمكن أن نتلمس مجموعة من العوامل كانت تقف وراء اهتمام المعتزلة الشديد بدور العقل ومكانته، والتأكيد على اللجوء إليه والاستمساك بحججه، ومن أهمها (1687) :

(أ) مقامهم بالعراق وفارس، وهذه المدن كانت تعج يومئذٍ بحركة عقلية واسعة تتجاوب فيها أصداء لمدنيات وحضارات قديمة، وفرق ونِحَل يصعب حصرها؛ ومنها خرجت أكثر المذاهب الفكرية على مدار التاريخ الإسلامي، ومن المؤكد أن بيئة كهذه ستدفع قاطنيها إلى مسايرة التيار العام، والاشتراك معه في ثقافاته واهتماماته.

(ب) انحدار أغلب رجال المذهب -إن لم يكن كلهم- من سلالات غير عربية؛ حيث كان أكثرهم من الموالي، وهم بطبعهم أميل إلى العلوم العقلية بفعل النشأة، والوراثة، والبيئة.

(جـ) تصديهم للرد على المخالفين، الذين يعتمدون في جدالهم على أدلة العقل وأساليب المنطق، ولا يقيمون وزنًا للأدلة النقلية، فكان لا بدَّ من مواجهتهم بنفس السلاح.

(د) سريان كثير من آراء الفلاسفة الأقدمين إليهم، وهي في مجملها آراء لا تقوم إلَّا على محض النظر العقلي، كذلك اختلاطهم بكثير من اليهود والنصارى، وغيرهم ممن كانوا حملة هذه الأفكار ونقلتها إلى العربية.

(هـ) رد الفعل في مواجهة نزعات التشبيه والتجسيم، والاتجاهات الباطنية التي لا تلتفت للأدلة العقلية ولا تلقي لها بالًا.

ومما تجدر الإشارة إليه أن كثيرًا من الدراسات المعاصرة لمستشرقين وغير مستشرقين قد أسرفت في إضفاء الألقاب والنعوت على المعتزلة، وإسقاط كثير من المصطلحات الحديثة عليهم، وإقامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت