فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 584

(جـ) الدليل النقلي معصوم عن الخطأ والغلط باتفاق الجميع، بينما النظر العقلي يعتمد على قدرات كل فرد ومعارفه، ويختلف من شخص لآخر، ولم تُضمن لنا عصمته، والواجب يقتضي تقديم المعصوم على غير المعصوم (1832) .

(د) يلزم من القول بإمكانية تعارض النقل والعقل، ووجوب تقديم العقل حينئذ كثير من اللوازم الخطيرة، نكتفي بالإشارة إلى نموذج منها؛ وهو أن القول بذلك يؤدي إلى امتناع الإيمان بالشرع، وتعذر حصوله لأمرين (1833) :

أحدهما: أنه لا سبيل إلى العلم بانتفاء جميع المعارضات العقلية،؛ إذ ما يستخرجه الناس بعقولهم أمر لا غاية له، سواء أكان حقًّا أم باطلًا، فإذا جوَّز المجوز أن يكون في المعقولات ما يناقض خبر الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمكنه أن يثق بشيء من كلامه؛ لاحتمال أن يكون في المعقولات التي لم تظهر بعد أو ربما لم يعلمه هو وعلمه غيره ما يناقض الشرع، وإذا امتنع العلم بنفي المعارض امتنع الإيمان الجازم؛ لأن ما عُلِّق على الممتنع فهو ممتنع.

وثانيهما: أن تصديق الشرع والإيمان به يكون موقوفًا على شرط، وهو عدم المعارض العقلي، والإيمان لا يصح تعليقه على شرط، فلو قال رجل: آمنت بالرسول إن أذن لي أبي، أو إن أعطيتموني كذا؛ لم يكن مؤمنًا بالاتفاق، مثلما قال مُسيلمة: «إن جعل محمد الأمر لي من بعده آمنت به» ولم يصر مؤمنًا بذلك؛ بل كان من أكفر الكفار، وهكذا من قال: آمنت بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم إلَّا أن يعارضه دليل عقلي، فما صدَّق به عقلي صدقت به، وما ردَّه عقلي رددته، فهذا في حقيقة الأمر لم يؤمن، والواجب على كل مكلف أن يؤمن بالرسول إيمانًا مطلقًا، وجازمًا غير معلق على شرط أو قيد (1834) .

وتجدر الإشارة إلى وجوب التفرقة بين الأدلة العقلية التي يُظن تعارضها مع السمع، والأدلة العقلية التي يُعلم بها أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق، وإن كان جنس العقول يشملهما، ونحن إذا أبطلنا ما عارض السمع إنما نكون قد أبطلنا نوعًا مما يسمى معقولًا، ولم نبطل كل معقول، ولا أبطلنا المعقول الذي علم به صحة المنقول (1835) .

وهكذا يتبين لنا أن التعارض على فرض حصوله سوف يكون بين دليل نقلي معه دليل عقلي دلَّ على صحته وصدقه، وبين دليل عقلي يظن تعارضه مع الدليل النقلي، ورد الدليل الأخير لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت