فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 584

أعلم به منه، وألا يقدم رأيه على قوله، ويعلم أن عقله وفهمه قاصر بالنسبة إليه، وكما قيل: فإن العقل متولٍّ ولى الرسول، ثم عزل نفسه (1826) .

وكثير من الناس يثق في الطبيب ولو كان غير مسلم، وينقاد انقيادًا تامًّا لكل ما يأمره به من مقدرات وأدوية، وما يجوز أكله وما يمتنع، مع ما في ذلك من الكلفة والألم والمشقة؛ لأن عقله حَكَم بإجادته لفن الطب، وأنه إذا صدقه كان أقرب إلى حصول المصلحة والشفاء، مع علمه بأن الطبيب ربما أخطأ أو جانبه الصواب، فكيف الحال مع الشرع المعلوم عصمته يقينًا، والذي يجزم العقل بصحته وحصول النجاة والمنفعة في اتباعه؟ (1827)

رابعًا: ويبقى الأساس الرابع

والأخير، والذي يوجب تقديم العقل على النقل بعد إبطال الاحتمالات الأخرى؛ بحجة أن تقديم النقل يستلزم الطعن في العقل والنقل معًا، ويمكن أن يجاب عنه باحتمال مغاير تمامًا، دون الإحساس بأي إشكال أو أزمة عقلية (1828) ، فيقال: إذا تعارض النقل والعقل امتنع الأخذ بهما معًا، أو رفعهما معًا؛ لأن ذلك مُحال، أو تقديم العقل؛ لأنه دلَّ على صحة السمع، ووجوب قبول ما أخبر به، فلو أبطلنا النقل لكُنا قد أبطلنا دلالة العقل، ولو أبطلنا العقل لم يصلح لمعارضة النقل؛ إذ ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة الدليل، فلم يبق إلَّا تقديم النقل والتعويل عليه (1829) ، ومما يؤيد هذا الاحتمال الأخير عدة أمور، منها:

(أ) أن العقلَ قد صدَّق الشرع، ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، بينما الشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به، وليس العلم بصحته موقوفًا على كل ما يخبر به العقل، فتقديم النقل عمل بموجب الدليلين، بينما تقديم العقل عمل بأحدهما، ولا شك أن العمل بمقتضى دليلين أقوى وأولى من العمل يمقتضى واحد فحسب (1830) .

(ب) لا يوجد باعتراف المتكلمين (1831) دليل سمعي محض؛ بل لا بد لكل دليل سمعي من الاعتماد على مقدمة عقلية، إما في إثبات حجيته، وإما في النظر إلى مضمونه ومحتواه، وبذلك يصير التعارض ليس بين «نقل وعقل» بل بين «نقل ممزوج بعقل سابق عليه ومصاحب له، وعقل محض» وواضح أن النوع الأول أحق بالتقديم من الثاني، إذا فُرض وحدث تعارض بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت