فلا خلاف حول استحالة العمل بالدليلين المتناقضين معًا أو رفعهما معًا؛ لكن تضعيف الرازي للاحتمال الثالث؛ وهو تقديم النقل على العقل بحجة أن العقل هو الأصل الذي عن طريقه علمنا صحة النقل، فإبطاله يؤدي إلى بطلان العقل بالتبعية -كلام يستحق المناقشة- وسبق أن فصَّلنا ذلك في نقد فكرة الدور، والأسس التي قامت عليها بما لا حاجة لإعادته.
ونضيف هنا أن تقديم النقل على العقل لا يؤدي بحال إلى تلك اللوازم المذكورة، حتى لو فُرض فعلًا أن العقل أصل للنقل؛ لأن الدليل الذي أفاد صحة الشيء أو ثبوته، أو عدالته، أو قبول قوله لا يجب أن يكون أصلًا له، بحيث إذا قدم قول المشهود له لزم إبطاله، إذ غاية ما يقال: إن العلم بالدليل أصل للعلم بالمدلول، فإذا حصل العلم بالمدلول، لم يلزم من ذلك تقديم الدليل عليه في كل شيء (1823) .
ومن الأمثلة التي تقرب هذا المعنى وتوضحه: أن الناس إذا شهدوا لرجل بأنه خبير ومتقن للفقه أو الطب أو الهندسة، أو أي فن من الفنون التي تحتاج إلى علم ومعرفة، ثم تنازع الشهود المزكُّون وهذا العالم المشهود له في مسألة متعلقة بتخصصه، وجب حينئذٍ تقديم قول العالم دون منازعيه، فإن قال الشهود: نحن الذين زكيناه، وبشهادتنا ثبتت أهليته، فتقديمكم لقوله علينا والرجوع إليه دوننا يقدح في الأصل الذي عرفتم به خبرته وإجادته، يرد عليهم بأنكم شهدتم أنه أعلم بهذا الفن منكم وأن أقواله تُقبل دون أقوالكم، فلو قدَّمنا حكمكم على حكمه حين الاختلاف نكون قد قدحنا في شهادتكم من ناحية، وفي خبرته من ناحية أخرى، وبذلك يبطل كلام الشاهد، والمشهود عليه (1824) .
وبنفس القياس فتقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع معًا؛ لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه وأحكم، ومعصوم عن الخطأ والزلل، فلو قُدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحًا في شهادته، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، فتقديم العقل على الوحي يتضمن القدح فيه وفي الشرع (1825) .
وإذا كان الأمر كذلك، فالإنسان حينما يدرك بالعقل أن هذا رسول الله، ويعلم أنه أخبره بشيء وفي عقله ما ينازعه في خبره كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو