سمعيان، أو عقليان، أو أحدهما سمعي والآخر عقلي، فلا يخلو الأمر من أن يكونا قطعيين أو ظنيين، أو أحدهما قطعي والآخر ظني.
(أ) فإذا كانا قطعيين فلا يجوز تعارضهما مطلقا، سواء أكانا عقليين، أو سمعيين، أو كان أحدهما عقليًّا والآخر سمعيًّا، وهذا متفق عليه بين العقلاء؛ لأن الدليل القطعي يدل على مدلوله لزاما، ويقتضي العلم، وما كان كذلك لا يتصور أن يعارضه قطعي مثله.
والقول بجواز تعارض القطعيين يستلزم وجوب ارتفاع أحدهما وهو محال؛ لأن القطعي واجب الثبوت، أو الأخذ بهما معًا، وهو محال أيضًا لامتناع الجمع بين النقيضين؛ وعلى ذلك فإذا ظُن تعارضهما فإما ألا يكونا قطعيين أصلًا وإما أن يكونا قطعيين،؛ ولكن يُحمل أحدهما على وجه، ويُحمل الآخر على وجه، والمهم هو استحالة تعارض الأدلة القطعية.
(ب) وإذا كانا ظنيين فإنه يُصار إلى ترجيح أحدهما، فأيهما ترجح كان هو المقدم، ولا فرق بين أن يكون سمعيًّا أو عقليًّا.
(جـ) وإذا كان أحدهما قطعيًّا، والآخر ظنيًّا، فالقطعي هو المقدم مطلقًا باتفاق العقلاء، بغضِّ النظر عن كونه عقليًّا أو سمعيًّا؛ لأن الظن لا يرفع اليقين.
ويتجلى الفرق بين قانون الرازي وقانون ابن تيمية في نقطة المنطلق التي بني عليها كلا التقسيمين، فالرازي نظرًا لتجويزه وقوع التعارض الظاهر بين النقل والعقل -جعل أساس التقسيم والمحور الذي يدور عليه هو الوصف بالنقلية أو العقلية، وتعددت الاحتمالات إلى أن انتهت بتقديم العقل على النقل.
لكن ابن تيميَّة تبعًا لنفيه الحاسم لوجود أي وجه من التعارض بين صحيح المنقول وصريح المعقول -انتقل بمحور التقسيم إلى الوصف بالقطعية والظنية، وحينئذٍ فتقديم العقلي مطلقًا خطأ، وجعل جهة الترجيح وتأخير النقلي هي كون الأول عقليًّا، والثاني نقليًَّا خطأ آخر، والصحيح ربط المسألة بمدى توافر القطع أو الظن، وتقديم الدليل القطعي في جميع الأحوال.
ثالثًا: وإذا انتقلنا إلى الأساس الثالث