فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 584

يشرعها الله تكون مقدمة على الشريعة التي أمر بها، أو يقول: إن الكذب مقدَّم على الصدق (1817) .

(هـ) الشرع لا يأتي بمحالات العقول، وإن كان يأتي أحيانًا بمحاراتها، ولا يصح في هذا النوع أن يقال بوجود تعارض بين النقل أو العقل؛ لأن النقل يوسع من مجال إدراك العقل، ويوقفه على ما هو خارج عن نطاق مدركاته، أو اطلاعه، ولا يستقل بمعرفته.

وتفصيل المسألة أن أمر النبوة وما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله هو طور آخر وراء مدارك الحس والعقل والوهم والمنام والكشف، والعقل معزول عما يدرك بنور النبوة وطرق الوحي؛ كعزل السمع عن إدراك الألوان، والبصر عن إدراك الأصوات، وسائر الحواس عن إدراك المعقولات، وكما أن العقل طور من أطوار الإنسان، يبصر به أنواعًا من المعقولات لا تستطيعها الحواس الأخرى، فكذلك النبوة طور آخر يحصل فيه عين لها نور، ويظهر فيها أمور لا يدركها العقل؛ بل هو معزول عنها كعزل الحواس عن مدارك العقول (1818) .

(و) من خالف صحيح المنقول فقد خالف صريح المعقول، وكل كلام معارض لما في الكتاب والسنة الصحيحة فهو باطل مخالف للعقل والسمع معًا، وكثير مما يُظن أنه مقدمات عقلية برهانية قطعية ليس إلَّا مجرد شبهات لم يقم دليل على صحتها، لا ترقى لمعارضة الشرع الصحيح الثابت، والواقع أبلغ شاهد على ذلك (1819) .

ثانيًا: وأما الأساس الثاني

فعلى فرض التسليم الجدلي بوقوع التعارض، ففي حصر الرازي القسمة في الاحتمالات الأربعة المذكورة نظر؛ لأنها مجملة وفيها قدر من الإيهام، ولم تستوعب جميع الاحتمالات الصحيحة الممكنة؛ بل أغفلت أهم احتمال وأكثرها قوة، وهو الاحتمال الخامس، وفيه يُقدم الدليل العقلي تارة، والسمع أخرى، وأيهما كان قطعيًّا قُدِّم، وإن كانا جميعًا ظنيين فالراجح هو المقدم، وإن كانا قطعيين امتنع التعارض أصلًا (1820) .

ومن الممكن -كما فعل ابن تيميَّة (1821) ، ونجم الدين الطوفي (1822) - الإعراض عن هذا التقسيم بالكلية وصياغة قانونٍ آخر ذي تقسيم أكثر إحكامًا، ومضمونه أنه إذا فُرض وتعارض دليلان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت