وكذلك العقل، فهو سبحانه وتعالى أقام عليهم حجته بما ركَّب فيهم من العقل، وبما أنزل إليهم من السمع، والعقل الصريح لا يتناقض في نفسه، كما أن السمع الصريح لا يتناقض في نفسه، وكذلك العقل مع السمع، فحجج الله وبيِّناته لا تتناقض ولا تتعارض؛ ولكن تتوافق وتتعاضد (1814) .
(ب) هناك تلازم وثيق، وتطابق تام بين المنقول والمعقول، فما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق محض، يتصادق عليه صريح العقل وصحيح النقل؛ لأن رب الفطرة وواهب العقول هو منزل الشرع، ومصدر ذلك كله، وكما قال سبحانه وتعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25] .
فالميزان مع الكتاب كلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه، ولا يتناقض مع الكتاب، ولا يجوز أن تخالف الأدلة الشرعية القياس الصحيح، سواء أكان شرعيًّا أم عقليًّا، ولما كان الطريق إلى الحق هو السمع والعقل، وهما متلازمان، كان من سلك الطريق العقلي دله على الطريق السمعي؛ وهو صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن سلك الطريق السمعي بيَّن له الأدلة العقلية، والشقي المعذَّب من لم يسلك لا هذا ولا ذاك (1815) .
(جـ) سبب توهم حصول التعارض بين النقل والعقل؛ إما فسادًا في العقل، وإما عدم ثبوت النص، وإما خطأ في فهم دلالته، فالمرء قد يسمع خبرًا يعارض عقله فيظنه صحيحًا وهو ليس بثابت، أو يسمع خبرًا يفهم منه بعقله ما لا يدل عليه، فيتوهم في الحالتين أن العقل يعارض هذا الخبر، مع أن السبب الحقيقي هو ضعف النقل، أو إساءة فهمه، أو الشبهة التي دخلت على العقل فيما قرره من حكم (1816) .
(د) الدليل الشرعي لا يقابل بكونه عقليًّا، وإنما بكونه بدعيًّا، ووصف الدليل بأنه عقلي أو سمعي ليس مناطًا للمدح، أو للذم، أو للصحة، أو للفساد،؛ بل ذلك يبين الطريق الذي عُلِم به وهو السمع أو العقل، وإن كان السمع لا بد معه من العقل، وحينئذٍ فالدليل الشرعي لا يجوز أن يعارضه دليل غير شرعي، ويكون مقدمًا عليه؛ بل هذا بمنزلة من يقول: إن البدعة التي لم