عليه الإيمان بها، وألا يرد منها حرفًا واحدًا» (1953) وثمة أقوال متعددة لأئمة السلف على نفس المنوال، وكلها يؤكد أن مبدأ التسليم وتفويض الكيفية لا بد منه في دائرة معينة من مسائل الاعتقاد؛ كإدراك ذاته وكنه صفاته سبحانه وتعالى، وتفاصيل حكمته في جميع الأوامر والنواهي، وسائر الغيبيات الخارجة عن نطاق العقل البشري، ولا يعني ذلك بحال التناقض مع العقل أو إهماله، فليس في هذه الأمور ما يحكم العقل باستحالته أو امتناعه، ولا يأتي الشرع بمحالات العقول، وإن أتى أحيانًا بمحاراتها وما تعجز عن الإحاطة به (1954) .
(ب) وأُطلق لقب المفوضة على إحدى فرق الروافض الغلاة، والتي زعمت أن الله خلق محمدًا صلى الله عليه وسلم ثم فوض إليه خلق العالم وتدبيره، فهو الخالق دون الله سبحانه وتعالى، ثم فوض رسول الله صلى الله عليه وسلم تدبير العالم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهو المدبر الثاني، كذلك زعموا أن الأئمة ينسخون الشرائع، وتهبط عليهم الملائكة، وتظهر على أيديهم المعجزات. ولا نزاع حول خروج تلك الفرقة عن الإسلام بالكلية، وعدم اندراجها في عداد المسلمين أصلًا (1955) .
(جـ) ويراد بالتفويض: صرف اللفظ عن ظاهره، مع عدم التعرض لبيان المعنى المراد منه،؛ بل يُترك ويُوكل العلم به إلى الله، إما معنى وكيفية، وإما كيفية فقط (1956) ، وهذا المعنى هو المقصود من حديثنا في هذا المبحث.
أركان التفويض وأقسامه
وللتفويض ركنان أساسيان ينبني في مجمله على تقريرهما (1957) :
الأول: اعتقاد أن ظواهر بعض النصوص المتشابهة -كنصوص الصفات- يقتضي التشبيه والتجسيم، بناءً على أنه لا يُعقل لها معنى إلا ما هو معهود في الأذهان من صفات المخلوقين، ولذا تعين نفي هذا الظاهر، ومنع اعتقاده.
الآخر: أن المعاني الحقيقية المرادة من هذه النصوص مجهولة تمامًا للمكلفين، ولا سبيل أمامهم للعلم بها؛ بل هي مما استأثر الله بعلمه، ولما كان تعيين المراد منها غير ممكن فالواجب تفويض