فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 584

المعتزلة؛ لدورهم في محنة الإمام أحمد، ولآرائهم العقلية التي تستعصي على أفهام العوام، وكثرة الآراء الغريبة والأقوال المصادمة للثوابت عند أكثرية الناس، كما لا ننسى ما قُدِّر للمذهب الأشعري من مناصرة عدد من ولاة الأمور؛ كالوزير نظام الملك، وصلاح الدين الأيوبي، وغيرهما، والعوام بطبعهم يتأثرون بآراء الحكام إيجابًا وسلبًا.

وفي ظل هذه الغلبة كان طبيعيًا أن يتصدر أئمة الأشاعرة لتعليم العوام، والتدريس لهم، وتلقينهم مسائل العقيدة وقضاياها، والقول بتأويل نصوص الصفات متشعب المناحي، ومشاكله لا تكاد تنتهي، ويُخشى من الإسراف فيه على عقائد العامة؛ حيث يفتح الباب للتساؤلات، والبحث فيما لا طائل وراءه، فكان الحل الأسلم أن يكفوا كلية عن الخوض في هذا الأمر، وأن يُلزموا بالتفويض، الذي لا مجال فيه للتفسير أو السؤال أو البحث عن معنى الصفة وكنهها، وبذلك تسلم عقائدهم، ويتسنى «إلجام العوام عن علم الكلام» .

وأخيرًا، فمما يؤخذ على المذهب الأشعري في تبنيه للتفويض أن كثيرًا من أئمته القائلين به جوَّزوا الاختيار بينه وبين التأويل (2000) ، مع أن ما ساقوه من أدلة واعتبارات على مشروعيته (2001) ، لو صحت، لصار القول به واجبًا وليس أمرًا اختياريًّا، كما أن تطبيقه لديهم اتسم بنوع من الانتقائية، فصفات المعاني السبع؛ وهي الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام لا يصح فيها مطلقًا التأويل أو التفويض، والصفات الخبرية أثبتها المتقدمون دون شعور باحتياجها للتأويل أو التفويض، أما المتأخرون فتراوحت مواقفهم بين الأمرين، وتتبقى صفات الأفعال الاختيارية، وأكثرية المذهب على تأويلها أو تفويضها.

ويلاحظ أن ما أولوا أو فوضوا بسببه الصفات الخبرية موجود بعينه في الأنواع الأخرى، فإذا كان إثبات الوجه موهمًا للتشبيه؛ لأن للمخلوق وجهًا، فكذلك الأمر في صفات السمع والبصر والكلام، وخصومهم من المعتزلة يلزمونهم بنفس الإلزام، فإن قيل: إن سمعه تعالى وبصره وكلامه ليس كسمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم، فهذا الكلام بعينه يصح في صفة الوجه وسائر الصفات الخبرية، فوجهه سبحانه وتعالى لا يماثل وجوه المخلوقين ولا يشابهها.

ويبقى الحل الفطري السهل اليسير؛ وهو إثبات كل ما ورد في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بالله سبحانه وتعالى، دون مزيد بحث أو جدال، أو خوض في تفصيلات لم يكلف الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت