فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 604

في تلك الكلمات القلائل والآيات المعدودات ترتسم هذه الصور واضحة كاملة، نابضة بالحياة، دقيقة السمات، مميزة الصفات. حتى ما يبلغ الوصف المطول والإطناب المفصل شيئًا وراء هذه اللمسات السريعة المبينة، الجميلة النسق، الموسيقية الإيقاع.

فإذا انتهى السياق من عرض هذه الصور الثلاث دعا الناس .. الناس جميعًا .. إلى الصورة الأولى وناداهم .. ناداهم كافة .. أن يفيئوا إليها. أن يفيئوا إلى عبادة الله الواحد .. تلك مجمل الخطوط الرئيسية في هذا الدرس الأول من سورة البقرة. [1]

{يا أيها الناس}.. عالمية الإسلام في نداءات الرحمن.

في عشرين آية في كتاب الله يأتي الخطاب الإلهي العام للناس جميعًا .. ليؤكد عالمية هذا الدين وكونه النور الرباني الأخير لهذا العالم الحائر ... نداءات ربانيةٌ حانيةٌ عظيمة يكتنفها الجلال لبني آدم ترشدهم للحقيقة العليا التي لا مناص منها .. حقيقة وجود هذه الحياة وهذا الإنسان؛ وأنه أعز مخلوق عند ربه تعالى الذي خلقه فسواه فعدله ثم سخر له الكون وعلمه أسماء كل شئ وأسجد له ملائكته .. ثم شرفه غاية التشريف حيث أمره بعبادته ليكون في كنفه وفي في الدنيا وفي مستقر رحمته وثوابه في الاخرة، ولكن الشيطان اللعين تربص لآدم وذريته بعدما رفض السجود له استكبارا وجحودا لقيمته في الحياة .. وأقسم ليغوين بني آدم ويهلكهم كما هلك .. وهنا يأتينا النور الرباني العظيم ليبين لنا تلك الحقائق الجوهرية ويبعث برسائل عامة وقوية لبني الإنسان جميعًا:

أعبدوا ربكم الذي خلقكم وكرَّمكم وهداكم واصطفاكم على خلقه .. خلقكم من تراب وخلقكم نطفة هينة ضعيفة فعلقة فمضغةٍ وارتقى بكم اطوارًا من ضعف لضعفٍ يرعاكم بعلمه وحكمته وقدره ورزقه الذي يحوطكم به .. فكلوا مما في الأرض التي سخرها لكم الحلال ولا تتبعوا الحرام والباطل .. اتقوا ربكم في نسائكم وأرحامكم وعلاقاتكم البشرية فأنتم من نفس واحدة خلقكم الله شعوبا وقبائل لتتعارفوا وتتكاملوا لا (لصراع الحضارات) والتنابذ والموت والعداوات .. لا يهلكنكم الشيطان فهو عدوكم اللدود والذي لا تتغير عداوته أبدا وهو ينتظركم بكل طريق فلا تتبعوا خطواته .. لقد جاءكم الرسول الخاتم - وهو رسول الله إليكم جميعا - بالدين الخاتم والشريعة الكاملة والنور المبين من كلام الله سبحانه فآمنوا بالله ورسله وكلماته لأن ذلك نجاتكم .. لقد جاءتكم البراهين والبينات والمعجزات والدلالات على دين الله وصدق أنبيائه وشمولية دين محمد عليه الصلاة والسلام .. فمن كفر بعد ذلك فإن الله عنى عن

(1) في ظلال القرآن (1/ 37) باختصار وتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت