فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 604

لقد شبهت الآيات في بلاغتها المنافق في التمثيل الأوّل بالمستوقد نارًا، وصورت الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاع المنافق وخسرانه بإنطفاء النار وبقائه في الظلمة والحيرة والخوف، فما وجه التشبيه في التمثيل الثاني بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق؟

لقائلٍ أن يقول: لقد شُبِّه دين الإسلام بالصيب، لأنّ القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر. وما يتعلق بالإسلام من شبه الكفار بالظلمات. وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق. وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. والمعنى: أو كمثل ذوى صيب. والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا.

فإن قلت: هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات؟

والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه: أنّ هذين التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة؛ وليست من نوع المفرّقة التي يظهر فيها المشبه والمشبه به، كما تأخذ أشياء فرادى، معزولا بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها، كما جاء في القرآن في قوله تعالى:"وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ" [فاطر: 19 - 22] ، فكأن أهل الإيمان هم أهل البصر والنور والظل والحياة؛ واهل الكفران هم أهل العمى والظلمات والحرور والموات .. فشبه كل نظيرٍ بنظيره في تصوير (تمثيل) [مُفرَّق] ..

وأما تشبيه كيفيةٍ حاصلةٍ من مجموع أشياء قد تضامّت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا، بأخرى مثلها؛ أى تصوير حالة بحالة؛ وموقف بموقف آخر ولكل منهما تفاصيله التي تكمل صورته فهو التشبيه (التمثيل) [المُركَّب] .. كقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [5 الجمعة] . و الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوى الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار، لا يشعر من ذلك إلا بما يمرّ فيه من الكدّ والتعب .. فهذا [تمثيل مركب] = [تشبيه حالة بحالة] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت