بل لعنهم بكفرهم. فبيَّن لهم (ولأمثالهم من المرجئة في كل أمة) في قصة أصحاب السبت أنهم لما ضيعوا أمرًا واحدًا من أوامره واستخفوا به وهو تحريم السبت عذبهم بعذاب لم يعذب به أحدًا من العالمين، ثم يقال هنا إنه سبحانه لما ذكَّرهم بنعمة العفو عند نكوصهم عن عهدهم ذكَّرهم توبيخًا أن فريقًا منهم استحلوا ما حرَّم الله تعالى استخفافًا حتى غلبهم الخسران فما ضروا إلاّ أنفسهم، مقسمًا على أنهم بها عالمون ولها مستحضرون.
والسياق ما زال في تذكير بني إسرائيل بمخازيهم، ووعظهم ووعظ غيرهم في عاقبة الكفر بدين الله ونقض مواثيقه، وفي هذا تثبيت للمؤمنين ووعظ لهم وبيان للصراط المستقيم بفضح ما يضاده من سبل المجرمين، كما قال تعالى: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) } (آل عمران: 69، 70) .
(والقوم هنا لم يستجيبوا لتلك الدعوة الإيمانية، بل تولّوا ونكصوا على أعقابهم، ولكن الله أمهلهم، ولم يعجّل لهم العقاب، كما وقع لأسلافٍ لهم من قبل .. خالفوا أمر الله واعتدوا في السّبت، فمسخهم الله قردة، وأنزلهم من مرتبة الإنسان إلى مرتبة الحيوان، فما أبشع تلك صورة وأخسّها، يعيشون في صور القرود بمشاعر الإنسان، وإدراك الإنسان، وذلك هو العذاب، ولعذاب الآخرة أخزى وأوجع!. [1]
أقول: هنا يأخذنا ملمح راقٍ من ملامح تدبر القرآن العظيم، ألا وهو تدبر الخطاب القرآني، ودلالاته، وبلاغته اللامتناهية في التوقيع النفسي العالي لدى المتلقي.
(1) التفسير القرآني للقرآن للدكتور عبد الكريم (1/ 94)