فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 604

فمثلا نجد هنا أن الاستطراد له دلالات سياقية بديعة تتعلق بعملية الاسقاط الواسعة النطاق الممتدة من أول سورة البقرة - والتي نبهنا عليها مرارا-للتاريخ البشع لبني اسرائيل في تعاملهم مع منهج الله تعالى؛ اسقاط هذه الاستراتيجية الفاسدة في حرب منهج الله تعالى على امتدادهم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إصرارهم الدؤوب على رايات الكفران عبر الزمان إلى يومنا هذا.

هذا الاسقاط عينه موجه بصورةٍ موازية للجماعة المؤمنة يحذرهم طريق (المغضوب عليهم والضالين) ، ويبصرهم بأدق تفاصيل خداعهم ونفاقهم وحروبهم ضد دين الله تعالى الحق.

إنه تحذير للمؤمنين أن يتبعوا طريق أهل النفاق والضلال ولو في كلامهم، وفي ذات الوقت بيان لامتداد فعل بني إسرائيل مع أنبيائهم في القديم، وفعلهم مع محمد صلى الله عليه وسلم في الحاضر وفعلهم مع أمته في المستقبل. وفي ذلك للمتأمل تسلية لرسول الله عليه السلام عما يلقاه في سبيل دعوته من الأذى فالقوم هم القوم فعلوا ما فعلوا مع أنبياء الله تعالى في كل عصر؛ وما زال أذاهم وكفرهم يمتد ويمتد.

وهنا أيضا نتدبر دلالات الخطاب القرآني المتسعة، فهى وإن كانت في بنيتها السطحية تحتمل معنىً، ففي تأمل بنيتها العميقة تتجه إلى معانٍ جمةٍ تتعلق بالسياق وتتممه.

إذن فالحديث البلاغي المجرد عن نوع (استطراد) يقع في القرآن هو حديث ساذج وسطحي؛ لا بد من مناقشته.

فالأفق الدلالية للبلاغة القرآنية بديعة ولطيفة ودقيقة لا يكفي أبدا فيها التحليل اللغوي الاصطلاحي الجامد الذي يراعي إيقاع الشكل البلاغي على اصطلاح بعينه. وإنما هنا التدبر ثم التدبر ثم التدبر لقوم يفلحون.

أعاننا على تدبر كتابه الكريم، وفهمه والعمل به والتسليم.

{يا أيها الذين آمنوا}

قال الفخر: اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن (قلتُ-معلقه: بل هي تسعة وثمانون موضعا) .

قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بقوله:"يا أيها المساكين". فكأنه سبحانه وتعالى لما خاطبهم أولا بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخرا حيث قال: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} (البقرة: 61) ، وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولا فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت