ومن دلالات الخطاب (العميقة) ما يكشفه الله سبحانه للمسلمين عما تكنه لهم صدور اليهود والمشركين حولهم من الشر والعداء، ليحذروا أعداءهم، ويستمسكوا بما يحسدهم هؤلاء الأعداء عليه من الإيمان والقرآن والمنهج الرباني العظيم، ويشكروا فضل الله عليهم ويحفظوه.
وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل، وفي التقرير الذي سبقه عما يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد. وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها-ويقودها-اليهود، لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين، وهي الخير الضخم الذي ينفسونه على المسلمين!
ويجمع القرآن بين أهل الكتاب والمشركين في الكفر، وأعظم ما يكرهونه للمؤمنين هو هذا الدين، وهذا المنهج الرباني القويم. ولقد سبق الحديث عن حقدهم وغيظهم من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، حتى لقد بلغ بهم الغيظ أن يعلنوا عداءهم لجبريل-عليه السلام-إذ كان ينزل بالوحي على الرسول-صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 106) .
بدءًا نتساءل كعادتنا عن وجه ارتباط هذه الآية ومناسبتها لما قبلها؟
ويأتي الجواب أنها امتداد للاستطراد الذي ربط بين ماضي اليهود ووقاحتهم تجاه نعم ربهم، ورسالة أنبيائهم، وبين حاضرهم وتعاملهم مع دعوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذا من تسلية الرسول والمؤمنين وتثبيت قلوبهم على الحق الذي ظل طريقه دائما مليئا بالذئاب الذين يريدون اختلاس المؤمنين وزللهم.
إنها إذن بيان لاستمرار الحملة الشعواء التي شنها يهود المدينة ومنافقوها والمشركون حسدا وغيظا على رسول الله وأتباعه من المؤمنين.