بعد الحديث الوافي في الآيات قبلها عن هدايات القرآن وموقف طوائف الناس من الصراط المستقيم وضرب الأمثال للمنافقين والصيحة السماوية العامة لكل الناس بتنزيه أرواحهم عن أدناس الشرك واتباع نور التوحيد؛ ثم النذارة لمن أبى إلا الهلاك والبشارة لأهل النجاة والفوز .. بعد هذا كله يجيء الحديث عن الأمثال التي يضربها الله تعالى في القرآن .. وهذه الآيات تشي بأن المنافقين الذين ضرب الله لهم الأمثال - وأيضًا اليهود والمشركون - قد اتخذوا من ورود هذه الأمثال في هذه المناسبة , و أمثالٍ أخرى في القرآن منفذا للتشكيك في صدق الوحي بهذا القرآن , بحجة أن ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تصغيرٍ لهم وسخريةٍ منهم لا تصدر عن الله , وأن الله حُقَّ له ألّا يذكر مثل هذه الأشياء الصغيرة كالذباب والعنكبوت في كلامه وهداياته! .. وكان هذا طرفا من حملة التشكيك والبلبلة التي يقوم بها المنافقون واليهود في المدينة , كما كان يقوم بها المشركون في مكة. فجاءت هذه الآيات دفعا لهذا الدس , وبيانا لحكمة وعظمة الله في ضرب الأمثال وإعجازاتها السماوية الكثيرة , وتحذيرا لغير المؤمنين من عاقبة الاستدراج بها , وتطمينا للمؤمنين أن ستزيدهم إيمانا إلى إيمانهم.
يقول الأستاذ سيد قطب -رحمه الله - في ظلاله الرائعة:
[ {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما , بعوضة فما فوقها} ..
فالله رب الصغير والكبير , وخالق البعوضة والفيل , والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل. إنها معجزة الحياة. معجزة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله .. على أن العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل , إنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير. وليس في ضرب الأمثال ما يُعاب، وما من شأنه الاستحياء من ذكره. والله - جلَّت حكمته - يريد بها اختبار القلوب , وامتحان النفوس: {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم} ..
ذلك أن إيمانهم بالله يجعلهم يتلقون كل ما يصدر عنه بما يليق بجلاله ; وبما يعرفون من حكمته. وقد وهبهم الإيمان نورا في قلوبهم , وحساسية في أرواحهم , وتفتحا في مداركهم , واتصالا بالحكمة الإلهية في كل أمرٍ؛ وفي كل قول يجيئهم من عند الله.
{وأما الذين كفروا فيقولون: ماذا أراد الله بهذا مثلا ?} .. وهو سؤال المحجوب عن نور الله وحكمته , المقطوع الصلة بسُنَّة الله وتدبيره. ثم هو سؤال من لا يرجو لله وقارا , ولا يتأدب معه الأدب اللائق بالعبد الفقير أمام تصرفات الرب القدير. يقولونها في جهلٍ وقصورٍ في صيغة الاعتراض والاستنكار , أو في صورة التشكيك في صدور مثل هذا القول عن الله! هنا يجيئهم الجواب في صورة التهديد والتحذير بما وراء المثل من تقدير وتدبير: يضل به كثيرا , ويهدي به كثيرا , وما يضل به