[قال سعيد بن جبير: {بلى من أسلم} أخلص، {وجهه} قال: دينه، {وهو محسن} أي: متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصا لله وحده والآخر: أن يكون صوابا موافقا للشريعة. فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". رواه مسلم من حديث عائشة عنه-عليه السلام.
فعمل الرهبان ومن شابههم -وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله-فإنه لا يتقبل منهم، حتى يكون ذلك متابعا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم، قال الله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} (الفرقان: 23) .
وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} (النساء: 142) . ولهذا قال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (الكهف 110) . [1]
وإنما أخطأ الزمخشري أنه وعلى مذهبه أن الثواب يجب على الله في حق من أحسن، وأهل الحق يتأدبون في مثل هذا فيقولون: لا شيء يجب على الله وهو مالك الملك؛ وإنما يتفضل بوعده على من يشاء. وعند الزمخشري في تفسيره الكشاف من نصرةٍ لمذهبه خفيةٍ لا يتنبه لها غير من أتقن علم العقيدة فتنبه.
{فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112] . والنكتة فيها أنه سبحانه سمى ثوابه أجرًا ليربط بين العمل والثواب ويؤكد على قيمة العمل الصالح من الإيمان. وباقي الآية تقدم بيانه في الآية (62 من سورة البقرة) فراجعه مشكورا.
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (البقرة: 113)
(1) تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 385)