يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) } (البقرة 104 - 105) .
فأما عن وجه تعلق هاتان الآيتين بما قبلهما (اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد من هاهنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه) . [1]
وهذا النوع من أنواع تعلق الكلام بعضه ببعض يسمى (استطراد) وهو أن يخرج المتكلم من الغرض الذي هو فيه إلى غرض آخر لمناسبةٍ بينهما، ثم يرجع فينتقل إلى إتمام الكلام الأول [2] ، كقول السموأل: (من الطويل)
وإنا لقومٌ لا نرى القتل سُبَّةً إذا ما رأته عامرٌ وسلولُ.
يقرِّب حبُّ الموتِ آجالَنا لنا وتكرههُ آجالهمْ فتطولُ.
فسياق القصيدة، للفخر بقومه، وانتقل منه إلى هجو قبيلتي عامر وسلول ثم عاد إلى مقامه الأول، وهو الفخر بقومه. فإن قطع أو رجع إلى ما كان فيه، فذلك (استطراد) ، وإن تمادى فذلك (خروج) ، قال: وأكثر الناس يسمِّي الجميع (استطراد) .
ولأننا نردد دائمًا أن علاقات المناسبة داخل النص القرآني علاقات دقيقة ولطيفة تجعل منه كلمة واحدةً يعود أولها على آخرها، ويأخذ وسطها بأطرافها، فإنك تجد في القرآن كثيرا من نوع هذا الاستطراد الذي يدفع الملل وينبه السامع إلى دلالاتٍ واسعةٍ، ويفتح آفاقا كبيرةً للمعاني القرآنية.
ولكننا هنا تؤثر أن نركز على نكتة (اللطف) والدقة في هذه العلاقات الداخلية التي تربط أجزاء النص القرآني.
(1) تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/ 634)
(2) يقول الجرجاني: هو سوق الكلام على وجه يلزم منه كلام آخر وهو غير مقصود بالذات بل بالعرض. وفي بعض التفاسير، مثال الاستطراد هو أن يذهب الرجل إلى موضع مخصوص صائدا، فعرض له صيد آخر فاشتغل به وأعرض عن السير إلى ما قصد وأشباهه. راجع كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم.