وقوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ... }
و''ما '' في '' بئسما'' نكرة بمعنى '' شيئا'' تميزا لفاعل بئس، والمخصوص بالذم {أَنْ يَكْفُرُوا} أَيْ كُفْرهمْ. أى بئس هذا الشئ الذي باعوا به أنفسهم وهو الكفر الذي يخلدهم في النار، فكأنهم لم يقبضوا ثمنا لبيع أنفسهم غير الكفر. وفائدة '' ما'' هنا التحقير لشأن كل ما يخسر الإنسان نفسه من أجله وخصوصا المتاع الزائل بكفره.
و {اشتروا} قال الفراء: معناه- والله أعلم- باعوا به أنفسهم. وللعرب فِي شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما أن يكون شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما جميعا فِي معنى باعوا، وكذلك البيع يقال: بعت الثوب. على معنى أَخْرَجَتهُ من يدي، وبعته: اشتريته، وهذه اللغة فِي تميم وربيعة. سمعت أَبَا ثروان يقول لرجل: بع لي تمرا بدرهم. يريد اشتر لي وأنشدني بعض ربيعة:
ويأتيك بالأخبار من لم تبِعْ له ... بتاتًا ولم تضرب له وقت موعدٍ.
على معنى لم تشتر له بتاتا قال الفراء: والبتات الزاد. [1]
أقول: أو فيه معنى آخر: أنهم اشتروا بحسب ظنهم الفاسد، فإنهم ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بما يسروا لها من المتاع الزائل والرياسة المؤقتة والعرض الهالك، ولم ينظروا - بسفههم - في الثمن الذي دفعوه وهو كفرهم الذي يودي بهم إلى هلاك الأبد وتعاسةٍ تدوم.
وما {أنزل الله} هنا المقصود به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن الذي جاء به. أو ما عندهم من نعت الرسول ورسالته.
(1) معاني القرآن للفراء (1/ 56)