ثم إنني رأيت في التحرير والتنوير حـ 1 صـ 398 ما مختصره: وما قيل فهو استناد لرواية واهية ولو صحت لكان حمل الآية على ذلك مجافيا للبلاغة إذ قد علمت أن قوله (إنا أرسلناك) تأنيسٌ وتسكينٌ فالإتيان معه بما يذكر المكدرات خروج عن الغرض وهو مما يعبر عنه بفساد الوضع. انتهى كلامه.
قال الأستاذ محمد عبده: وقد فشا هذا القول، ولولا ذلك لم نذكره، وإنما نريد بذكره التنبيه على أن الباطل صار يفشو في المسلمين بضعف العلم، والصحيح يُهجَر ويُنسَى، ولا شك أن مقام النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في معرفة أسرار الدين وحكم الله في الأولين والآخرين ينافي صدور مثل هذا السؤال عنه، كما أن أسلوب القرآن يأبى أن يكون هو المراد منه. انتهى.
والتعبير عن الكافرين والمكذِّبين بكلمة {أصحاب الجحيم} إيذانٌ بأن أولئك المعاندين من المطبوع على قلوبهم، فلا يُرجَى منهم الرجوع عن الكفر والضلال إلى الإيمان والإذعان.
وهي هنا في منهج الاستدلال القرآني في العقيدة؛ فالقرآن حين يستدل على مسائل العقائد يجمع بين الوضوح والسلاسة والعمق ويبتعد عن التكلف والسفسطة والجدل العقيم؛ إنه يخاطب النفس الباحثة عن الحق من أقرب طرقها، ويطرق أبواب العقل من أوسعها ليجعلك تقرر حقائقه بدون عناء التفلسف.
أتصيد هنا كلام شيخنا السعدي على هذه الآية قال-عليه الرحمة:
ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها، وهي ترجع إلى ثلاثة أمور:
الأول: في نفس إرساله، والثاني: في سيرته وهديه ودله، والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة.
فالأول والثاني، قد دخلا في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} والثالث دخل في قوله: {بِالْحَقِّ} .
وبيان الأمر الأول وهو -نفس إرساله -أنه قد علم حالة أهل الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران، والصلبان، وتبديلهم للأديان، حتى كانوا في ظلمة من الكفر، قد عمتهم وشملتهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، قد انقرضوا قبيل البعثة.
وقد علم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى، ولم يتركهم هملا لأنه حكيم عليم، قدير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده، أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم، يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له، فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه، وهو آية كبيرة على أنه رسول الله، وأما الثاني: فمن عرف النبي صلى الله عليه وسلم معرفة تامة، وعرف سيرته وهديه قبل البعثة، ونشوئه على أكمل الخصال، ثم من بعد ذلك،