فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 604

سبحانه من يقوم بالحق ويثبت عليه {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 40) وقد فعل سبحانه فلله الحمد. انتهى [1]

أقول: كلام صاحب المنار يكتب بماء الذهب، وقد جعل شيخنا الغاية التي قيد بها الأمر العفو والصفح هي النصر الذي يمن الله به على من نصر دينه، وهو ينتظم كثيرا من الأمور، وهو جيد في تحقيقه.

وكثير من المفسرين جعلوه أمرا واحدا، وهو الأمر بقتالهم، ويعبر بعضهم بآية السيف، ويعنون آية التوبة التي فيها حكم الجزية {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... الآية} (التوبة: 29) . ... وقال بعضهم: إنه توقيتٌ (تحديد وقت) لبيان الحكم بغيره بعد ذلك على وفق الظروف؛ فلا يصح أن يسمى منسوخا-أي في عرف الأصوليين-وإن روي عن ابن عباس-رضى الله عنه-وغيره، وذلك أن السلف كانوا يتوسعون في باب النسخ كما وضحنا. وهو ما ارتضيه لنفسي بعد التحقيق.

وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم -كان عاهد جميع اليهود المجاورين له في المدينة عهدا أمنهم فيه على أنفسهم وأموالهم وحرية دينهم، فغدروا ونقضوا العهد بموالاة المشركين عليه مرارا، وكان يعفو عنهم ويصفح حتى أذن الله له بقتالهم وإجلائهم.

إذن فالذي قضاه الله تعالى في أولئك المشركين بعد ذلك هو من باب البيان لبعض أمر الله الذ قال فيه تعالى: {حتى يأتي الله بأمره} ويظل الأمر بالعفو والصفح ديدن دعوة الإسلام وجوهره وخلقه الذي لا يأتي عليه نسخ، ويظل أمر الله على اتساع معناه، فربما يكون النصر الذي وعد الله به المؤمنين أو انتصار الإسلام واضمحلال ما سواه الذي صرَّح به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من حديثه الشريف. وما أجمل ما قال صاحب الظلال:

وهكذا؛ يوقظ السياق القرآني وعي الجماعة المسلمة ويركزه على مصدر الخطر، ومكمن الدسيسة ويعبئ مشاعر المسلمين تجاه النوايا السيئة والكيد اللئيم والحسد الذميم، ثم يأخذهم بهذه الطاقة المعبأة المشحونة كلها إلى جناب الله ينتظرون أمره، ويعلقون تصرفهم بإذنه. وإلى أن يحين هذا الأمر يدعوهم إلى العفو والسماحة، لينقذ قلوبهم من نتن الحقد والضغينة. ويدعها طيبة في انتظار الأمر من صاحب الأمر والمشيئة. [2]

(1) تفسير المنار (1/ 346)

(2) في ظلال القرآن (1/ 103)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت