فهرس الكتاب

الصفحة 539 من 604

البعض وإنكار عقيدته، مع أنهم أهل كتابٍ جميعا، وفيه تبكيتٌ آخرٌ لمسلك مَن جعل نفسه في سلك الجهال وهو من أهل العلم إذ حذا حذوهم في نبذ الحق. ثم توعدهم سبحانه بالفصل يوم الفصل والنكاية بأهل الكفر والضلال. فتبيّنْ هذا التسلسل والاتساق المنطقي الرائع للكلام يشد بعضه بعضا في تناسقٍ بديعٍ يدرك حلاوته الذين يتدبرون كلام الله تعالى.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... }

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) }

في هذه الآية استطراد بديع بعد ذكر العلاقة المتوترة والعداوة السخيفة بين فريقين من أهل الكتاب وإكفار بعضهم بعضًا، هذا الاستطراد يُلمِح إلى ما وقع بين الفريقين من حروبٍ قامت على أسس هذه العلاقة المتوترة ولم يراعَ لله تعالى فيها حقٌ، ودُمِّرت مساجد الله ومُنع الناس من إعمارها حتى خربت بفعل شياطين الإنس. ثم ينتقل الاستطراد بصيغته العمومية البديعة إلى تقرير حكم عامٍ في كل مَن حَرم الناس من إعمار مساجد الله في أرضه تحت أي مسمىً. فمن سببٍ خاص تُلمح به الآية ولا تصرِّح إلى حكمٍ عظيم من أحكام القرآن يخص إعمار بيوت الله تعالى.

(والكلام في أهل الكتاب عامة ومن على شاكلتهم، فقوله - تعالى:(ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) الآية فيه وجوه: (أحدها) : أنه يشير إلى حادثة وقعت بعد المسيح بسبعين سنة، وهي دخول (تيطس الروماني) بيت المقدس وتخريبها حتى صارت المدينة تلا من التراب، وهدمه هيكل سليمان - عليه السلام - حتى لم يبق منه إلا بعض الجدر المدعثرة، وإحراقه ما كان عند اليهود من نسخ التوراة، وكان المسيح - عليه السلام - قد أوعد اليهود بذلك. وقال بعض المفسرين: إن أتباع المسيح هم الذين هيجوا الرومانيين وأغروهم بهذا العمل.

قال الأستاذ محمد عبده رحمه الله: ولا أدري هل يصح هذا الخبر أم لا، فإن قائليه لم يأتوا عليه بأدلة ولا بنقول تاريخية، ولكنني أعلم أن المسيحيين على قلتهم وتشتتهم

واستخفائهم من اضطهاد اليهود كانوا قد وصلوا إلى (رومية) وكانوا يودون الإيقاع باليهود الذين اضطروهم إلى الخروج من بلادهم انتقاما منهم، وتحقيقا لوعيد المسيح، وأن الرومانيين - وإن كانوا وثنيين يرون أن اليهود ليسوا على شيء - لم تكن حروبهم دينية وإنما كانوا يحاربون اليهود وغيرهم لشغبهم وفتنهم أو للطمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت