نِعْمَتِيَ إذْ فَعَلْت بِكُمْ وَفَعَلْت , وَاذْكُرُوا فِعْلِي بِأَبِيكُمْ آدَم , إذْ قُلْت لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة. انتهى.
أقول: لقد جاءت هذه الآيات بعد ذلك الخطاب الاستدلالي العميق الذي يخاطب الشعور والوجدان والعقل والمنطق .. ذلك الخطاب الذي ينادي بعودة الإنسان لفطرته وما تدعوه إليه جذور خلقته من توحيد ربه سبحانه .. ثم يجئ الخطاب لهذا الإنسان يذكِّره بقصة وجوده وخلقه ومكانته في هذا الكون وتكريمه الذي حباه به ربه ليستحيي أن يشرك بربه أحدًا .. كيف ذلك وهو الذي خلقه وكرَّمه وخلق له ما في الأرض جميعه لينتفع به وليتعظ وليستخدمه في إنهاء مهمته في خلافة الله تعالى في أرضه بتنفيذ أمره وإقامة توحيده ..
وهكذا ترى الآيات تنتقل بين أنواع الخطاب وطرق الاستدلالات وتنوع الأساليب في إعجازٍ متصلٍ يأخذ بتلابيب العقل والنفس والشعور.
لقد احتلت القصة في القرآن الكريم مكانةً عظيمةً وموقعًا فريدًا .. فإذا كان كثيرٌ من العلماء يجمعون معظم أغراض القرآن العظيم في التوحيد والأحكام الشرعية والقصص؛ ويزيد بعضهم الأخلاق وهى من باب الشريعة والأحكام؛ فإن القصص القرآني هو من الوسائل العميقة الأثر في تقرير عقيدة التوحيد، وفي تدشين الآداب الراقية والأخلاق الحسنة، وربما جمع القصص القرآني بيان بعض الفقه والأحكام الشرعية كذلك؛ وهو ما سياقبلنا على مدى قصص القرآن العظيم .. وبذلك يتبين لنا أهمية القصص القرآني كوسيلة راقية للهداية الربانية، وأسلوب حكيم لتربية النفوس على الحق والخير والجمال والنور .. ويحدد لنا ربنا تعالى في الذكر الحكيم كثيرًا من أغراض قصص القرآن فيقول سبحانه: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) } [يوسف: 111] ..
فمن خلال هذه الآيات وحين نستقرأها جيدًا يتبين بجلاءٍ أن القصص القرآني لم يكن أبدًا للتسلية أو السرد التاريخي، فليس القرآن كتاب تاريخ أو كتاب أدب صرف يُقصد منه السرد الأدبي لقصص الماضين .. كلا! فالقصص القرآني العظيم جاء في موضعه من تنويع أساليب الهداية والنور الرباني الذي هو المقصد الأول والأسمى للكتاب المجيد .. وأخذ القصص مكانه المحكم بين آيات القرآن ليكون الصورة العامة والشاملة للهداية الربانية، فمن أهم أغراض القصص في القرآن:
1.الدلالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عقيدة التوحيد وأيده القرآن المعجز الذي خرق حواجز الغيب (الماضي والحاضر والمستقبل) ، وجاء مصدِّقًا وموافقًا لما جاء به