سبحانه الذي يقص على الناس قصة خلق أبيهم على ما فيها من مراقي التكريم والتشريف لآدم وذريته .. ليتذكروا عظمة خالقهم لعلهم يعرفون الله تعالى ويعبدونه، ويتقونه حق التقوى، فكانت قصة أبي البشرية التي تذكّرنا كل وقتٍ بتكريم الله تعالى لنا في شخص آدم عليه السلام، وأنَّ من كان هذا شأنه لا يجوز له ولا ينبغي أن يهبط إلى مستنقعات الشرك ودركات عبادة الأدني وقد كرَّمه الله العلى الكبير ..
وَكذلك كان هذا الانتقال في سياق الآيات من باب (حسن التخلص البلاغي الرائع) من ذكر خلق السماوات والأرض إلى ذكر خلق الإنسان الذي يسخَّر الله تعالى له الأرض لكي يقيم عبادته فيها ويعمرها .. وليزداد تشريف هذا النبى الأمي الكريم بتعليم الله إياه وأمته من كل العلوم في هذا القرآن العظيم الذي أنزله الله حافظًا خالدا لتاريخ الهداية الربانية عبر الأمم؛ وليكون دليل صدقٍ أمام الذين يدعون العلم من أهل الكتب السماوية قبل محمد صلوات الله عليه كما قال تعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (الشورى 53) } وبذلك يتصل مداد الاستدلال على الوحدانية وكذا صدق القرآن والرسول، ومحاجة اهل الكتاب بعلومهم التي يدعون، وهو السياق العام لسورة البقرة الزهراء.
فَإِيرَادُ وَاوِ الْعَطْفِ هنا جاء مناسبا تمامًا لموضعه من بدء واستئناف كلامٍ جديدٍ، وقصةٍ عظيمةِ الشأن في مسار البشرية وصراعها مع الشر الشيطاني عبر العصور، وكذلك ربط السياق في هذا الموضع بسياق الآيات قبله والسياق العام لسورة البقرة العظيمة، فتأمله فإنه موضع تدبرٍ شريف.
يقول العلامة الطبري في تفسيره: قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} بِهَذِهِ الْآيَات وَاَلَّتِي بَعْدهَا مُوَبِّخهمْ مُقَبِّحًا إلَيْهِمْ سُوء فِعَالهمْ وَمَقَامهمْ عَلَى ضَلَالهمْ مَعَ النِّعَم الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَسْلَافهمْ , وَمُذَكِّرهمْ بِتَعْدِيدِ نِعَمه عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَسْلَافهمْ، ومُحذّرهم بَأْسه أَنْ يَسْلُكُوا سَبِيل مَنْ هَلَكَ مِنْ أَسْلَافهمْ فِي مَعْصِيَة اللَّه , فَيَسْلُك بِهِمْ سَبِيلهمْ فِي عُقُوبَته ; وَمُعَرِّفهمْ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ تَعَطُّفه عَلَى التَّائِب مِنْهُمْ اسْتِعْتَابًا مِنْهُ لَهُمْ. فَكَانَ مِمَّا عَدَّدَ مِنْ نِعَمه عَلَيْهِمْ , أَنَّهُ خَلَقَ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا , وَسَخَّرَ لَهُمْ مَا فِي السَّمَوَات مِنْ شَمْسهَا وَقَمَرهَا وَنُجُومهَا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعهَا الَّتِي جَعَلَهَا لَهُمْ وَلِسَائِرِ بَنِي آدَم مَعَهُمْ مَنَافِع , فَكَانَ فِي قَوْله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ} مَعْنَى: اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ , إذْ خَلَقْتُكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا , وَخَلَقْت لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا , وَسَوَّيْت لَكُمْ مَا فِي السَّمَاء. ثُمَّ عَطْف بِقَوْلِهِ: {وَإِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ} عَلَى الْمَعْنَى الْمُقْتَضَى بِقَوْلِهِ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ} إذْ كَانَ مُقْتَضِيًا مَا وَصَفْت مِنْ قَوْله: اُذْكُرُوا