فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 604

مَحَالَةَ تَدُلُّ عَلَى الخالق سبحانه، وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: {فَهَدى} .. إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَكْرَهَ عَبْدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلَا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَلَا رَضِيَهَا لَهُ وَلَا أَمَرَهُ بِهَا، وَلَكِنْ رَضِيَ لكم الطاعة، وَأَمَرَكُمْ بِهَا، وَنَهَاكُمْ عَنِ الْمَعْصِيَةِ. انتهى [1]

الخلاصة: أن الله تعالى أودع آدم علم المسميات بأسمائها والتعبير عنها ليستطيع العيش على الأرض، وقد أودعه الله العقل وملكات التعلم والمشاهدة لمسيرة الحياة واكتشافها حتى يعيش عمره كله ليعرف طبائع المخلوقات، ويكتشف أسرارها، ويدرك في كل لحظة من حياته عظمة الخالق العظيم، فيسبح ربه على علمٍ ونظرٍ واعتبارٍ في الوجود .. وهذا من أكبر معاني استخلاف آدم وذريته في الوجود .. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) } (فاطر: 27، 28) ..

يقول صاحب الظلال: (فلما علم الله آدم هذا السر، وعرض على الملائكة الكرام ما عرض لم يعرفوا الأسماء. لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص .. وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم، والاعتراف بعجزهم، والإقرار بحدود علمهم، وهو ما علَّمهم سبحانه .. وعرَّف آدم عليه السلام .. ثم كان هذا التعقيب الذي يردهم إلى إدراك حكمة العليم الحكيم:

«قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ؟» [2]

وهذه الخاتمة لهذا الدرس الرباني العملي هى الخلاصة الفريدة لعمقٍ هام من أعماق العقيدة في الله تعالى، وأبعادها الثابتة في الإسلام .. وهى التسليم الكامل لله تعالى في علمه وحكمته وتقديره وتدبيره .. وهذا أصل من أول وأهم أصول التوحيد والإيمان ...

قال أبو جعفر الطبري في قوله تعالى {قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن معنى قوله:"وأعلم ما تُبدون"، وأعلم ما تُظهرون بألسنتكم،"وما كنتم تكتمون"، وما كنتم تخفونه في أنفسكم .. والذي أظهروه بألسنتهم ما أخبرَ الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه، وهو قولهم: {أتجعل فيها .. الآية} ؛ والذي كانوا يكتمونه، ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أمره، والتكبُّر عن طاعته.

(1) تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (31/ 129) بتصرف وحذف.

(2) في ظلال القرآن (1/ 57)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت