فهرس الكتاب

الصفحة 529 من 604

فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وأمي! اعف عنه واصفح، فو الذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ وَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فِعْلُ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا} . انتهى نقلا عن القرطبي.

ومما يؤكد ما اتبعناه من مسلكٍ في فهم حقيقة هامة في اخلاق الدعوة ما أردف تلك الآية (البقرة 109) وهو قوله تعالى:

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

(قال الأستاذ محمد عبده- عليه الرحمة) : ثم بعد الوعد بالنصر والإرشاد إلى الاعتماد فيه على القدرة دلهم على بعض وسائل تحققه، وهي الصلاة التي توثق عروة الإيمان، وتعلي الهمة، وترفع النفس بمناجاة الله العلي الكبير، وتؤلف بين القلوب بالاجتماع لها، والتعارف في مساجدها، والزكاة التي تصل بين الأغنياء والفقراء فتتكون باتصالهم وحدة الأمة حتى تكون كجسمٍ واحد، فقال سبحانه: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ، ولم تُذكَر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في موضعٍ من الكتاب الحكيم إلا والمقام يقتضي الذكر لبيان فائدةٍ خاصة لهذا الأمر لا يمكن أن تستفاد من ذكرهما في موضع آخر.

[أقول-جامعه: وذكر الصلاة والزكاة هنا -وهما الركنان الأعظمان في الإسلام-هو تكملة لمنهج أخلاق الدعوة المحمدية وثوابتها؛ فبدأ بالعفو عن الجاهل والصفح عن السفيه الحاقد، ثم أردف ذلك بأن بيَّن -سبحانه -أنَّ نصره وإتمام أمره بأن يدخل الإسلام كل بيتٍ هو في الالتزام بشرع الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

وما أجمل ما قال أحد الدعاة:"أقيموا دولة الله في قلوبكم يقيمها الله على أرضكم".

فالجهاد في تحقيق معاني العبودية في نفوسنا هو سبب النصر الحق، وليس السلاح؛ مصداقا لقوله تعالى: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (آل عمران/ 123) ، ثم قال سبحانه تنويها بسبب الهزيمة في غزوة أحدٍ: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (أل عمران 132) . مُعَاتَبَةً لِلَّذِينَ عَصَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَمَرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي غَيْرِهِ. ثُمَّ قَال سبحانه: «وَسارِعُوا إِلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت