وجنة ونار .. يقينًا يحرِّك العزائم للعمل الصالح، ويباعد عن الرذائل والمعاصي والدنايا .. وهنا يختتم السياق وقد انتقل الحديث عن هذا الكتاب العظيم وإعجازه وكماله، وهدايته للمتقين، وصفات هؤلاء المتقين وصفات إيمانهم وأعمالهم إلى إثبات الفلاح والصلاح لهؤلاء الذين التمسوا الرشاد والسداد في هذا القرآن {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ..
وهكذا تذوب خلجات النفس بين يدى كتاب الله تعالى، وتبدأ الروح في الصعود في ذلك المعراج الخفى ترى ذلك الينبوع النوراني المتدفق بين الآيات يُسْلِم الوجدان من آيةٍ لأختها بسلاسةٍ رائعةٍ وترابطٍ معنوىٍ فريدٍ يصيح بأن هذا الكلام كلام الله ..
تفصيلات لغوية ومعنوية:
-قال الزمخشري [1] : والريب: مصدر راب، إذا حصلت الريبة.
وحقيقة الريبة: قلق النفس واضطرابها. ومنه ما روى الحسن بن على قال: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشك ريبة، وإنّ الصدق طمأنينة» أى فإن كون الأمر مشكوكا فيه مما تقلق له النفس ولا تستقرّ. وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له وتسكن. ومنه: ريب الزمان، وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من مصائبه. ا. ه.
يقول الشيخ محمد الغزالي: وبطريق التلميح أشارت الآيات إلى زيف ما بأيدي اليهود .. {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} كأن الكتب الأخرى موضع ريبة ? وكأن ما فيها من خليط لا يصنع تقوى ? ولا يزكى سيرة! وخلال المتقين التي أحصتها سورة البقرة كثيرة ? فقد تكررت مادة التقوى خلال السورة بضعا وثلاثين مرة ? لا تشبهها في ذلك سورة أخرى ? والتقوى هى الصفة الجامعة التي طلبت من سائر الأمم في شتى الرسالات {ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} .. ا. ه. [2]
-يقول العلامة الشنقيطي في تفسيره (أضواء البيان) :
[فيه هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] {البقرة:2} .. ويفهم من مفهوم الآية أن القرآن الكريم ليس هدى لغير المتقين، قال تعالى: [وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا] {الإسراء:82} ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق، لا الهدى العام، الذي هو إيضاح الحق. ا. ه.
(1) في الكشاف (1/ 34 - 37) .
(2) محمد الغزالي السقا / نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم /ص 9.